أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
34
نثر الدر في المحاضرات
ولما سقطت ثنايا عبد الملك في الطست قال : واللّه لولا الخطبة ، والنساء ما حفلت بها . وذكر عنده عمر فقال : قلّلوا من ذكره ، فإنه طعن على الأئمة ، حسرة على الأمة . وقال : اطلبوا معيشة لا يقدر سلطان جائر على غصبها . فقيل : وما هو ؟ قال : الأدب . وكتب إلى الحجاج : جنّبني دماء آل أبي طالب ، فإني رأيت بني حرب لما قتلوا حسينا نزع اللّه الملك منهم . دخل إليه أعرابي فبرك بين يديه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، إن الناقة إذا منعت الحلب قوّمتها العصا ؛ فقال عبد الملك : إذا تكفي الإناء ، وتكسر أنف الحالب . وقال لزفر بن الحارث : ما ظنّك بي ؟ قال : ظني بك أنك تقتلني ؛ فقال : قد أكذب اللّه ظنّك ، وقد عفوت عنك . ونازعه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فأربى عليه ؛ فقيل له : لو شكوته إلى عمّه لانتقم لك منه ؛ فقال : مثلي لا يشكو ، ولا أعدّ - أنا - انتقام غيري لي انتقاما ؛ فلما استخلف قيل له في ذلك ؛ فقال : حقد السّلطان عجز . وقالت له حبّى المدينية : أقتلت عمرا ؟ فقال : قتلته وهو أعزّ عليّ من دم ناظري . ولكن لا يجتمع فحلان في شول « 1 » . وكتب إلى الحجاج : ولا تولينّ الأحكام بين الناس جاهلا بالأحكام ، ولا حديدا طائشا عند الخصام ، ولا طمعا هلعا يقرّب أهل الغنى ويبشّ بأهل السّعة ؛ فيكسر بذلك أفئدة ذوي الحاجة ، ويقطع ألسنتهم عن الإدلاء بالحجة ، والإبلاغ في الصفة .
--> ( 1 ) لا يجتمع فحلان في شول : الشول : بقية اللبن في الضرع ، والمعنى : لا يجتمع فحلان في رضاعته .