أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

25

نثر الدر في المحاضرات

على كفاية منك ، وإياك مني قبل أن أقول : إياي منك ، فإنّ الظنّ إذا أخلف فيك أخلف منك . وأنت في أدنى حظّك فاطلب أقصاه . وقد أتعبك أبوك ، فلا تريحنّ نفسك ، وكن لنفسك تكن لك ، واذكر في يومك أحاديث غدك . وقال معاوية لعمرو بن العاص : إني لأحبّ أن تكون فيّ خمس خصال . قال : وما هنّ يا أمير المؤمنين ؟ قال : أحبّ ألّا يكون جهل أعظم من حلمي ، ولا ذنب أكبر من عفوي ، ولا عورة إلّا وأنا أسعها بستري ، ولا فاقة إلا سددتها بجودي ، ولا زمان أطول من أناتي ، فتبسم عمرو . فقال معاوية : مم تبسمت ؟ فإني أعلم أنك إن قلت خيرا أضمرت شرّا . قال : نعم ، تمنيت صفة لا تكون إلا للّه . قال معاوية : فاسترها علي . كتب معاوية إلى مروان بن الحكم : واللّه لفلان أهون عليّ من ذرة « 1 » أو كلب من كلاب الحرّة ، ثم قال للكاتب : امح الحرة ، فإنه سجع ، واكتب : من الكلاب . قيل لخالد بن يزيد : أنّى أصبت هذا العلم ؟ قال : وافقت الرجال على أهوائهم ، ودخلت معهم في رأيهم ، حتى بذلوا لي ما عندهم ، وأفضوا إلي بذات أنفسهم . بعث زياد إلى معاوية بهدايا مع عبيد اللّه أخي الأشتر النخعي ، وفي الهدايا سفط فيه جوهر لم ير مثله ، فقدم عبيد اللّه بالهدايا ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ؛ إن زيادا بعث معي بسفط ما أدري ما فيه ، وأمرني أن أدفعه في خلاء . فقال : أحضره ، فلما فتحه قال : ما أظن رجلا آثر بهذا على نفسه إلا سيؤثره اللّه بالجنة ؛ ارجع به إليه ، فإنّ من قبله من المسلمين أحقّ بهذا من معاوية . ثم كتب إلى زياد : إنك رفعت إليّ راية الأشتر حين وضعها اللّه . بعثت مع أخيه بسفط يشهد به علي عند أهل العراق ؛ فاردده عليّ مع رجل لا يفقه عنّي ، ولا أفقه عنه ، فردّه إليه زياد مع غلام من غلمانه .

--> ( 1 ) الذرة : واحدة الذر ، وهي صغار النمل .