أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
23
نثر الدر في المحاضرات
فدخل خالد على عبد الملك ، والوليد عنده ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ لوليد ابن أمير المؤمنين ؛ ووليّ عهد المسلمين مرّت به خيل ابن عمّه عبد اللّه بن يزيد ، فتعبّث بها وأصغره . وعبد الملك مطرق ، فرفع رأسه فقال : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [ النّمل : الآية 34 ] فقال خالد : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) [ الإسراء : الآية 16 ] . فقال عبد الملك : أفي عبد اللّه تكلّمني ؟ واللّه لقد دخل علي فما أقام لسانه لحنا . فقال خالد : أفعلى الوليد تعوّل ؟ فقال عبد الملك : إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان فقال : وإن كان عبد اللّه يلحن فإن أخاه خالد . فقال له الوليد : اسكت ، فو اللّه ما تعدّ في العير ولا في النّفير . فقال خالد : اسمع يا أمير المؤمنين ، ثم أقبل عليه فقال : ويحك ، فمن صاحب العير غيي ، جدّي أبو سفيان صاحب العير ، وجدّي عتبة بن ربيعة صاحب النّفير ، ولكن لو قلت : غنيمات ، وحبيلات والطائف ورحم اللّه عثمان . قلنا : صدقت . أما العير فهي عير قريش التي أقبل فيها أبو سفيان من الشام ، فنهد « 1 » لها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - فات بها أبو سفيان ؛ وأما النفير فمن نفر من قريش لاستنقاذ العير ، فكانت وقعة بدر ، وصار ذلك مثلا حتى قيل في كلّ من لا يصلح لخير ولا شرّ . وقوله : غنيمات وحبيلات . يعني : أنّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - لما أطرد الحكم بن أبي العاص لجأ إلى الطائف ، فكان يرعى غنيمات له . ويأوي إلى حبيلة ، وهي الكرمة . وقوله : رحم اللّه عثمان ؛ لأنه ردّه لمّا أفضى الأمر إليه . ذكر أنّ الحجاج لما أكره عبد اللّه بن جعفر على أن يزوّجه ابنته استأجله في نقلها سنة ؛ ففكر عبد اللّه في الانفكاك منه ؛ فألقي في روعه خالد بن يزيد بن معاوية ؛ فكتب إليه يعلمه ذلك . وكان الحجاج تزوجها بإذن عبد الملك ؛ فورد على خالد كتابه ليلا ؛ فاستأذن من ساعته على عبد الملك ؛ فقيل : أفي هذا الوقت ؟ فقال : إنه أمر لا يؤخّر ، فأعلم عبد الملك بذلك . فأذن له . فلما دخل إليه قال له عبد الملك : فيم السّرى « 2 » يا أبا هاشم ؟ قال : أمر جليل ، لم آمن أن أؤخّره ؛ فتحدث عليّ حادثة ، فلا أكون قضيت حقّ بيعتك .
--> ( 1 ) نهد : أي نهض وخفّ لها . ( 2 ) السّرى : السير ليلا .