أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

209

نثر الدر في المحاضرات

وكان يسمّى الخياط لأنه نقب نقبا فأخرج كلّ شيء كان في البيت ، حتى دثار الدار صاحب الدار وشعاره ، ثم خرج وسدّ النقب ، وسوّاه تسوية كأنه خاطه أو رفاه ، فلقّب بالخيّاط . وكان سليمان بن طراد منهم ، وكان لا يقعد في دهليزه ، ولا يشرب من جناحه ، بل يصير في قصر من قصور الأبلّة ، ولا يطّلع في كوّة ، ويأمر بذلك أصدقاءه وأصحابه ، ويقول : إن تعوّدتم النظر إلى الماء والخروج إلى المتنزهات جرعتم من الحبس لم تدفعوا ضيما ، ولم تكسبوا مالا . وكان يقول : لا يعجبني الفتى يكون لحّاظا . وكان صاحب إطراق . وكان يقول : إياكم وفضول النظر ، يدعو إلى فضول القول والعمل . ومنهم بابويه ، وكان شيخا كبيرا ذا رأي ونجدة ، وصدق وأمانة ، وهمّة بعيدة ، وأنفة شديدة . وكان محبوسا بعدّة دماء فلما نقب حمير بن مالك السجن ، وقام على باب النقب يشرب الناس ويحميهم ؛ ليستتمّ الكرامة ، وجاء رسوله إلى بابويه ، فقال : أبو نعامة ينتظرك ، وليس له همّ سواك ، وما بردت مسمارا ، ولا فككت حلقة ، وأنت قاعد غير مكترث ولا محتفل وقد خرج الناس حتى الضعفاء ؛ فقال بابويه : ليس مثلي يخرج في الغمار ، وتدفع عنه الرجال . لم أشاور ولم أؤامر . ثم يقال لي الآن : كن كالظّعينة ، والأمة ، والشيخ الفاني . واللّه لا أكون في الجنة تابعا ذليلا . فلم يبرح ، وخرج سائر الناس - وإجرامه وحده كإجرام الجميع - فلما جاء الأمير ودخل السجن فلم ير فيه غيره قال للحرس : ما بال هذا ؟ فقصّوا عليه القصّة ؛ فضحك وقال له : خذ أي طريق شئت ؛ فقال بابويه : هذا عاقبة الصّبر .