أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

203

نثر الدر في المحاضرات

قال بعضهم : مررت بباب الطّاق ، وحارسان يأكلان ، فمرّ بهما حارس آخر وخلفه كلب ؛ فقال أحدهما لصاحبه : رأيت مثل هذا الكلب ؟ أجرش أبرش حسن الشّية ، أعزل الذّنب . فقال الآخر : لا ونور اللّه إن كان الكلب كلبه ، وإنما استعاره يتجمّل به . قال بعضهم : نزلت في معسكر بإزاء قوم من الجند ، ومعهم مغنّ يتغنّى بالعجائب ، سمعته يغني : [ الرمل ] من لقلب ما يفيق من ألم * هائما يهذي بخرّاز الأدم قال : فطرب أحدهم وقال : ويلاه سنة . وحاتك ، ألمن الشّعر ؟ سيدي . قال : للخنساء . قال : ومن الخنساء ؟ قال : فتى من الأنباء . قال بعضهم : رأيت يوما مكاريا - وهو عريان - وعليه سراويل خلق متمزق وفيه تكّة تساوي دينارا ؛ فقلت : لو بعت هذه التكّة ! فقال : لا تفعل يا شاطر مروّة الرجل تكّته . قال : ورأيت واحدا منهم وقد قام في جماعة من أصحابه ؛ فقال : يا فتيان هو ذا ، أشرب وأسقيكم ؛ فقال له واحد منهم : اشرب فديتك كلّنا ، واسق أيّ بعضنا شئت . قال : ورأيت شاطرا وقد وقف على قبر شاطر ؛ فقال : رحمك اللّه أبا لاش . كنت واللّه - ما علمت - حادّ السكين ، فاره الصديق ، إن نقبت فجرذ ، وإن تسلقت فسنّور ، وإن استلبت فحدأة ، وإن ضربت فأرض ، وإن شربت فحبّ ، ولكنك اليوم وقعت في زاوية سوء . قيل لبعض الشّطار : كلما شهد شاهد قبلت شهادته ؟ قال : لا حتى أعلم أنه ابتلي فصبر ، وأنه لا يخبّب على الأصدقاء ، ولا يسرق الجيران . وقال بعضهم : إنّ اللّه تبارك وتعالى كان أرحم بالفتيان أن يجعل الناس كلهم فتيانا ؛ فإنه لا يجوز لفتى أن يسرق متاع فتى ، ولا يخبّب صديق فتى ، ولا يطلب أثر فتى إلّا أن يكون الغلام هو الذي يريده ، ونحن لا بدّ لنا من مال ننفقه ، وصديق نتّخذه ، فلو كان الناس كلّهم فتيانا هلكنا .