أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
200
نثر الدر في المحاضرات
قال أبو سهل الرّازي القاضي : دخلت على يحيى بن أكثم يوما ، والمائدة بين يديه ، والغلام واقف ؛ فقال لي : يا محمّد ، هذا غلامي ، يأتي عليّ وقت لا أدري ما اسمه ؛ وهذا حدا سلم الحادي بالمنصور في طريقه إلى الحج ؛ فحدا يوما بقول الشاعر « 1 » : [ الرجز ] أغرّ بين حاجبيه نوره * يزينه حياؤه وخيره ومسكه يشوبه كافوره فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل ، ثم قال : يا ربيع ؛ أعطه نصف درهم ؛ فقال سلم : نصف درهم يا أمير المؤمنين ؟ ! واللّه لقد حدوت لهشام فأمر لي بثلاثين ألف درهم ؛ فقال له المنصور : ما كان له أن يعطيك ثلاثين ألف درهم من بيت مال المسلمين . يا ربيع ، وكّل به من يستخرج منه هذا المال . قال الربيع : فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه ألّا يلزمه مئونة في خروجه وقفوله ، ويحدو له . تزوّج عمرو بن حريث ابنة أسماء بن خارجة ؛ فقالت له يوما : ما أحسبك وأبي تقرءان من كتاب اللّه إلّا حرفين . قال : وما هما ؟ قالت : كان أبي يقرأ : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ سبأ : الآية 39 ] وأنت تقرأ : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ [ الإسراء : الآية 27 ] . قال أبو العيناء : دعاني جار إلى وليمة ، وكان بخيلا ، فرأيته يدور على المائدة ويتنفس الصّعداء ، ويقول : وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12 ) [ الإنسان : الآية 12 ] . قال محمد بن أبي المعافى : كان أبي متنحيا عن المدينة ، وكانت إلى جنبه مزرعة فيها قثّاء ، وكنت صبيّا قد ترعرعت ؛ فجاءني من جيراننا أقران لي ، وكلمت أبي ليهب لي درهما اشتري لهم به قثّاء ، فقال لي : أتعرف حال الدرهم ؟ كان في حجر في جبل ، فضرب بالمعاول حتى استخرج ، ثم طحن ، ثم أدخل القدور ، وصبّ عليه الماء ، وجمع بالزئبق ، ثم أدخل النار فسبك ، ثم
--> ( 1 ) الرجز بلا نسبة في نهاية الأرب 3 / 308 .