أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
169
نثر الدر في المحاضرات
أقدر على إبرة ، قال : هو يعطيك ، قال : واللّه لو ملك بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا إبرا من كل إبرة خيط ، ثم جاء جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبيّ عليه السلام يسألونه إبرة يخيط بها يوسف قميصه الذي قد من دبر ما أعطاهم ! . وجاء إليه رجل يسأله شيئا ، وقال : قد قطع عليّ الطريق . قال : فعليّ إذا قطع الطريق . ولقيه رجل - وقد تعلّق به غلام - فقال : يا أبا الحارث ؛ من هذا ؟ قال : هذا غلام الفضل بن يحيى ، كنت عند مولى هذا أمس ، فقدّم إلينا مائدة عليها رغيفان عملا من نصف خشخاشة سوى ما ذهب عند النّحت ، وثريدة في سكرّجة ، وخبيصة في مسعط ، فتنفست الصعداء فدخل الخوان وما عليه في أنفي ، فمولاه يطالبني بالقيمة . قال الرجل : استغفر اللّه مما تقول ، فأومأ إلى غلام معه وقال : غلامي هذا حرّ إن لم يكن لو أنّ عصفورا وقع على بعض قشور ذلك الخشخاش الذي عمل منه ذلك ، لما رضي مولى هذا حتى يؤتى بذلك العصفور مشويّا بين رغيفين والرغيفان من عند العصفور . ثم قال : وعليّ المشي إلى بيت اللّه الحرام ، إذا عطشت بالقرعاء رجعت إلى دجلة العوراء حتى أشرب منها ماء ، لو أنّ مولى هذا كلّف في يوم قائظ شديد الحر أن يصعد على سلّم من زبد ، حتى يلتقط كواكب بنات نعش كوكبا كوكبا ؛ لكان ذلك أسهل عليه من أن يشمّ شامّ تلك الثريدة ، أو يذرق ذائق تلك الخبيصة . فقال الرجل : عليك لعنة اللّه ، وعليّ إن سمعت منك شيئا بعد هذا . وقيل له وهو على نبيذ : كل من هذا الطين السيرانيّ فإنه نظيف ؛ فقال : ومتى بلغك أنّ في بطني وكفا . وقيل له : ما تغدّيت عند فلان ؟ قال : لا ، ولكني مررت ببابه وهو يتغدّى . قيل : وكيف علمت ذلك ؟ قال : رأيت غلمانه ببابه ، بأيديهم قسيّ البنادق يرمون الطير في الهواء . وقال له الرشيد : لم لا تدخل إلى محمد بن يحيى ؟ فقال : أدخل واللّه يا أمير المؤمنين ، وأنا أكسى من الكعبة ، وأخرج وأنا أعرى من الحجر الأسود .