أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
128
نثر الدر في المحاضرات
قال مصعب بن عبد اللّه ، قال لي أبي : يا بنيّ من استغنى عن الناس احتاجوا إليه ؛ فأصلح مالك ، وأقلّ من مجالسة الناس ، فإني قد رأيت رجالا يقتبس منهم ، ولا جاه يدفعون به عنهم ، ولا جود يفضلون به عليهم . استغنوا بأموالهم ، وجلسوا ؛ فأتاهم الناس . بلغ عروة أن ابنه بعد اللّه يقول الشعر ، فدعا به يوما . فقال : أنشدني ، فأنشده ؛ فقال : إنّ العرب تسمّي الناقص . الناقص : الذي يمشي على ثلاث قوائم الهزروف ، فشعرك هذا هو الهزروف « 1 » . لما قطعت رجل عروة ، ومات ابنه حمد اللّه . ونظر إلى رجله ، ثم قال : أما واللّه إني لأرجو ألّا أكون مشيت بها إلى معصية للّه قطّ ، ثم قال : أيمنك لئن كنت أخذت لقد أعطيت ، كان لي أربع جوارح فأخذت واحدا وتركت ثلاثا ؛ وكان لي أربعة بنين ، فأخذت واحدا وتركت ثلاثة . قالوا : كان عبد اللّه بن الزبير يسجد ليلة ، ويركع ليلة ، ويقوم ليلة . روى الزّبير بن بكّار عن عمه مصعب ، قال : لما صار عليّ - رضي اللّه عنه - بالقرب من البصرة بعث ابن عباس ، فقال : ائت الزبير فاقرأ عليه السلام ، وقل له : يا أبا عبد اللّه ؛ كيف عرفتنا بالمدينة وأنكرتنا بالبصرة ؟ . فقال ابن عباس : أفلا آتي طلحة ؟ قال : إذا تجده كالثور عاقصا قرنه في الحزن يقول هذا سهل . قال : فأتيت الزبير ، فوجدته في بيت حارّ يتروّح ، وعبد اللّه بن الزبير في الحجرة . فقال : مرحبا بك يا ابن لبابة ، أجئت زائرا أم سفيرا ؟ قلت : كلّا . . . أحببت إحداث العهد بك ، وابن خالك يقرأ عليك السلام ويقول لك : عرفتنا بالمدينة ، وأنكرتنا بالبصرة ، فقال « 2 » : [ الرجز ] علقتهم ، إنّي خلقت عصبة * قتادة تعلّقت بنشبه فلن أدعهم حتى ألّف بينهم .
--> ( 1 ) الهزروف : السريع . ( 2 ) الرجز للزبير بن العوام في تهذيب اللغة 2 / 49 ، ولسان العرب ( عصب ) ، وتاج العروس ( عصب ) .