أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

107

نثر الدر في المحاضرات

هي الدنيا تعير وتستعير ، ومن لم يصبر اختيارا صبر اضطرارا . العاقل لا يستقبل النعمة ببطر ، ولا يودعها بجزع . الدنيا تطرق بطرقة نقمة ، وتنبّه برائع نجعه ، وتجرّع ثكلها كأسا مرة ، تقتل معترضة ، وتعترض متنكرة ، وتقفّي بالرضاع ، وتنشئ العظام ، وتلدح الأعمار « 1 » وتنشر الآمال ، وتفيد لتكيد ، وتسرّ لتغر ، وبهذا الخلق عرفت ، وعلى هذا الشرط صوحبت . الأمور وإن كانت مقدّرة فمن تقدير اللّه في أكثر ما جرّبنا أن يكون المحتال أقرب إلى المأمول ، وأبعد من المحذور ، من المفرّط في الأمور ، المستسلم للخطوب ، المؤخّر لاستعمال الحزم . إن اللّه يبتدئ بمواهب الدنيا ، فإذا استرجعها كانت مواهب الآخرة . من عظمت النعمة عليه كثرت الرغبة إليه ، فاستجلب بالإنعام منك إنعام اللّه عليك ، واستزد بما تهب ما يهب لك ، وعجّل إن نويت جودا ، وتأنّ إن أردت تمنّعا ؛ ولا تكن ممّن ولايته مواعيد ، وصرفه اعتذار . العقل كشجرة أصلها غريزة ، وفرعها تجربة ، وثمرتها حمد العاقبة ، وما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إن لم يصدئها الهوى . ما ذلّ قوم حتى ضعفوا ، وما ضعفوا حتى تفرّقوا ، وما تفرّقوا حتى اختلفوا ، وما اختلفوا حتى تباغضوا ، وما تباغضوا حتى تحاسدوا ، وما تحاسدوا حتى استأثر بعضهم على بعض . تناول الفرصة الممكنة ، ولا تنتظر غدا ، ومن لغد من حادث بكفيل ؟ ما أقل من يحمده المطالب ، ويستقلّ به العاثر ، ويرضى عنه السائل ! وما زالت أمّ الكرم نزورا ، وأمّ اللؤم ولودا . وأكثر الواجدين من لا يجود ، وأكثر الأجاود من لا يجد . وما كل من يورق بوعد يثمر بإنجاز . ولا بدّ لمن افتقرت حياته إلى المادة ، وعهد بقاؤه إلى المطعم والمشرب من أن يضطر إلى السعي ، ويحفز إلى الطّلب ، فينجح مرة ،

--> ( 1 ) تلدح الأعمار : من لدح : أي خبط بشدة ، ولدحه : إذا خبطه باليد بشدة .