أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

105

نثر الدر في المحاضرات

التواضع سلّم الشرف . السخاء حارس العرض من الذم ، لا تستقلّ شيئا من زيادة اللّه لك ؛ فتنفّر بقيّتها عنك ، وقليل يترقّى منه إلى كثير خير من كثير ينحطّ عنه إلى قليل . لا ترى الجاهل إلا مفرطا أو مفرّطا . الكتاب والج الأبواب ، جريء على الحجّاب ، مفهم لا يفهم ، وناطق لا يتكلم . ما كلّ من يحسن وعده يحسن إنجازه . وربما أورد الطمع ولم يصدر ، وضمن ولم يف . وربما شرق شارب الماء قبل ريّه . ومن تجاوز الكفاف لم يغنه إكثار . وكلّما عظم قدر المنافس فيه عظمت الفجيعة به . ومن ارتحله الحرص أنضاه الطّلب . والأماني تعمي أعين البصائر . والحظ يأتي من لا يأتيه . وأشقى الناس بالسلطان صاحبه ؛ كما أنّ أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا . ولا يدرك الغنى بالسلطان إلّا نفس خائفة ، وجسم تعب ، ودين منثلم - وإن كان البحر كثير الماء فإنه بعيد المهوى ، ومن شارك السلطان في عزّ الدنيا شاركه في ذلّ الآخرة ، وما أحلى تلقّي النعمة ، وأمرّ عاقبة الفراق . ومن لم يتأمل الأمر بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله ، والتّثبّت يسهّل طريق الرّأي إلى الإصابة ، والعجلة تضمن العثرة . كلّ مكروه ختم بمحبوب ، وانتهى إلى السّلامة ، فالهمّ به زائل ، والأجر عليه حاصل . والحوادث الممضّة مكسبة لحظوظ جزيلة ؛ منها : ثواب المدخر ، وتطهير من ذنب ، وتنبيه من غفلة ، وتعريف بقدر المنعم ومرون على مقارعة الدهر ، وفي الشكر درك المزيد وقضاء حق المنعم ، ومواقع أقدار اللّه لك خير من مواقع آمالك . بعد العسر يسر ، والصّبر إلى تفريج . ربما أعقبت السابقة وأدرك المنضى « 1 » ومن ولج في النائبة صابرا خرج منها مثقّفا . إياك والتقصير ، وتمنّي كلّ التيسير ، ولا تدع الظّلم يستمرّ بك إذا أظلّك ، واعلم أنّ الظالم سريع الوثبة قريب العثرة . ومن لم يعدل عدل اللّه فيه ، ومن حكم لنفسه حكم اللّه عليه .

--> ( 1 ) المنضى : المهزول ، يقال : أنضى السفر الإبل ، فهي منضاة .