أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

7

نثر الدر في المحاضرات

الباب الأول من الفصل الثاني في كلام أبي بكر الصديق رحمة اللّه عليه ورضي اللّه عنه خطب يوما ، فلما فرغ من الحمد للّه ، والصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ أشقى الناس في الدّنيا والآخرة الملوك » . فرفع الناس رؤوسهم . فقال : ما لكم معاشر الناس ؟ إنكم لطعّانون عجلون ، إن الملك إذا ملك زهّده اللّه فيما في يديه ، ورغّبه فيما في يدي غيره ، وانتقصه شطر أجله ، وأشرب قلبه الإشفاق ، فهو يحسد على القليل ، ويتسخّط الكثير ، ويسأم الرّخاء ، وتنقطع عنه لذّة البهاء ، لا يستعمل الغيرة ، ولا يسكن إلى الثّقة ، هو كالدّرهم القسيّ « 1 » ، والسّراب الخادع ، جذل الظّاهر ، حزين الباطن ، فإذا وجبت نفسه ، ونضب عمره ، وضحا ظلّه ، حاسبه اللّه ، فأشدّ حسابه ، وأقلّ عفوه . ألا إنّ الأمراء هم المحرومون ، إلا من آمن باللّه ، وحكم بكتاب اللّه ، وسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وإنّكم اليوم على خلافة نبوّة ، ومفرق محجّة ، وسترون بعدي ملكا عضوضا ، وملكا عنودا ، وأمّة شعاعا ، ودما مفاحا ؛ فإن كانت للباطل نزوة ولأهل الحق جولة يعفو لها الأثر ، وتموت السّنن ، فالزموا المساجد ، واستشيروا القرآن ، والزموا الجماعة ، وليكن الإبرام بعد التّشاور ، والصفقة بعد طول التّناظر ، أيّ بلادكم خرشنة ؟ فإنّ اللّه سيفتح عليكم أقصاها ، كما فتح عليكم أدناها . ومن كلامه أنه أخذ يوما بطرف لسانه وقال : هذا الّذي أوردني الموارد .

--> ( 1 ) الدرهم القسيّ : هو الدرهم الزائف .