أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

61

نثر الدر في المحاضرات

وقال : إذا أنا أفشيت سرّي إلى صديقي فأذاعه فهو في حلّ . فقيل له : وكيف ؟ قال : أنا كنت أحقّ بصيانته . وقال لبنيه : اطلبوا العلم ، فإن استغنيتم كان جمالا ، وإن افتقرتم كان مالا . وقدم على عمر من مصر ، وكان واليه عليها ، فقال : كم سرت ؟ . قال : عشرين . فقال عمر : لقد سرت سير عاشق . فقال عمرو : إنّي واللّه ما تأبّطتني الإماء ولا حملتني البغايا في غبّرات المآلي . فقال عمر : واللّه ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه ، وإن الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل ، والبيضة منسوبة إلى طرقها . فقام عمرو متربّد الوجه . قال عمرو : يا بنيّ ، إمام عادل خير من مطر وابل ، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم ، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم ، ولأن تمازح وأنت مجنون خير من أن يمازحك مجنون ، وزلّة الرّجل عظم يجبر ، وزلة اللسان لا تبقي ولا تذر ، واستراح من لا عقل له . وكتب إلى عمر رضي اللّه عنه : يا أمير المؤمنين ، إن البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف ، دود على عود ، بين غرق وبرق « 1 » . فقال عمر : لا يسألني اللّه عن أحد حملته فيه . وقال : إن ابن حنتمة بعجت له الدنيا معاها ، وأطعمته شحمتها ، وأمطرت له جودا سال منها شعابها ، ودفقت في محافلها فمصّ منها مصّا ، وقمص منها قمصا ، وجانب غمرتها ومشى ضحضاحها وما ابتلّت قدماه ، ألا كذاك أيها الناس ؟ قالوا : نعم رحمه اللّه . وقال لعثمان وهو على المنبر : يا عثمان ؟ إنك قد ركبت بهذه الأمّة نهابير « 2 » من الأمر ، وزغت وزاغوا فاعتدل أو اعتزل .

--> ( 1 ) البرق : الخوف والفزع . ( 2 ) النهابير : المهالك ، جمع نهبور ، وما أشرف من الأرض والرمل ، أو الحفر بين الآكام ، الواحدة : نهبرة ونهبورة بضمهما .