أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

59

نثر الدر في المحاضرات

وقال لعبد اللّه بن عباس يوم صفّين : إن هذا الأمر الذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء ، وقد بلغ الأمر بنا وبكم ما ترى ، وما أبقت لنا هذه الحرب حياة ولا صبرا ، ولسنا نقول : ليت الحرب عادت ، لكنّا نقول : ليتها لم تكن فانظر فيما بقي بعين ما مضى ، فإنك رأس هذا الأمر بعد عليّ ، وإنما هو أمير مطاع ، ومأمور مطيع ، ومشاور مأمون ، وأنت هو . نصب معاوية قميص عثمان على المنبر ، فبكى أهل الشام . فقال : هممت أن أدعه على المنبر . فقال له عمرو : إنه ليس بقميص يوسف ، وإنّه إن طال نظرهم إليه وبحثوا عن السبب وقفوا على ما لا تحبّ ، ولكن لذّعهم بالنظر إليه في الأوقات . وقال لابنه وقد ولي ولاية : انظر حاجبك فإنه لحمك ودمك ، فلقد رأينا بصفّين وقد أشرع قوم رماحهم في وجوهنا ، ما لنا ذنب إليهم إلا الحجاب . وقال : ما وضعت سرّي عند أحد قطّ فأفشاه فلمته ، لأني أحقّ باللوم أن كنت أضيق صدرا منه . وكان بين طلحة بن عبيد اللّه والزّبير مداراة « 1 » في واد بالمدينة ، فقالا : نجعل بيننا عمرو بن العاص ، فأتياه فقال لهما : أنتما في فضلكما وقديم سوابقكما ونعمة اللّه عليكما تختلفان ، وقد سمعتما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثل ما سمعت ، وحضرتما من قوله مثل الذي حضرت ، فيمن اقتطع شبرا من أرض أخيه بغير حقّ أنّه يطوّقه من سبع أرضين . والحكم أحوج إلى العدل من المحكوم عليه ، وذلك لأن الحكم إذا جار رزئ في دينه ، والمحكوم عليه إذا جير عليه رزيء عرض الدنيا . إن شئتما فأدليا بحجتكما ، وإن شئتما فاصطلحا ، وأعطى كل واحد منهما صاحبه الرّضا . وقال : ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر ، ولكنه الذي يعرف خير الشّرّين .

--> ( 1 ) المدارأة : المنازعة والمخاصمة .