أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

52

نثر الدر في المحاضرات

وقال : لا أعرفنّ أحدكم جيفة ليل ، قطرب نهار « 1 » . وقال له رجل : إني أردت السفر فأوصني . فقال له : إذا كنت في الوصيلة فأعط راحلتك حظّها ، فإذا كنت في الجدب فأسرع السير ولا تهود وإياك والمناخ على ظهر الطريق فإنه منزل للوالجة « 2 » . وقال : لا تهذّوا القرآن كهذّ الشعر ، ولا تنثروه نثر الدّقل « 3 » - يقول : لا تعجلوا في تلاوته . وقال لرجل : إنّك إن أخّرت إلى قريب بقيت في قوم كثير خطباؤهم ، قليل علماؤهم ، كثير سائلوهم ، قليل معطوهم ، يحافظون على الحروف ويضيّعون الحدود ، أعمالهم تبع لأهوائهم . وقال : لا تعجلوا بحمد الناس ولا بذمّهم ، إلّا عند مضاجعهم ، فإنّ الرّجل يعجبك اليوم ، ويسوؤك غدا ، ويسوؤك اليوم ويسرّك غدا . وقال : تجوزون الصراط بعفو اللّه ، وتدخلون الجنة برحمة اللّه ، وتقتسمونها بأعمالكم . وقال : أدّ ما افترض اللّه تكن أعبد الناس ، وارض بما قسم اللّه لك تكن أزهد الناس ، واجتنب ما حرّم اللّه عليك تكن أورع الناس . وقال : من اليقين ألّا تطلب رضا أحد من الناس بسخط اللّه ، ولا تحمد أحدا من الناس في رزق آتاك اللّه ، ولا تلوم أحدا من الناس فيما لم يؤتك اللّه ؛ فإنّ اللّه جعل الرّوح والراحة في اليقين والرضا ، وجعل الهمّ والحزن في الشك والسخط . وقال : عليكم بالعلم ؛ فإنّ أحدكم لا يدري متى يفتقر إلى ما عنده ، عليكم بالعلم قبل أن يقبض ، وقبضه ذهاب أهله .

--> ( 1 ) القطرب : دابة لا تستريح نهارا من السعي . ( 2 ) الوالجة : هي الحيات والسباع لاستتارها بالأولاج وهي المغارات . ( 3 ) الدّقل : رديء التمر ويابسه .