أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
22
نثر الدر في المحاضرات
القول ، كما أعوذ بك من الخطأ في العمل . وأعوذ بك من زلل اللسان والقلم كما أعوذ بك من زلل القدم ، وأعوذ بك من النطق الفاضح ، كما أعوذ بك من العي الفادح . فاجعل نطقنا ثناء على عزّتك ، وصمتنا فكرا في قدرتك . وجنّبنا في جميع أحوالنا ومختلفات أقوالنا وأفعالنا ما نستجلب به غضبك ، ونحتقب « 1 » به الشّرك بك ، تشبيها لك بخلقك وتصويرا وتظليما لك في فعلك ، وتجويرا وعدولا في دينك عن الجدد « 2 » ، وتنكبا للسنن الأرشد ، الذي هدانا إليه نبيّك محمد صلى اللّه عليه وسلم ، بوحيك الذي أوحيته إليه ، وكلامك الذي أنزلته عليه ، مبلّغا لرسالتك ، ناديا إلى عبادتك ، صادعا بالدعاء إلى توحيدك ، معلنا بتعظيمك وتمجيدك ، ناصحا لأمته وعبيدك . صلى اللّه عليه صلاة نامية زاكية وسلّم سلاما طيبا كثيرا وعلى أصحابه وأهل بيته الذين أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا . وبعد ، فإني رأيتك - أمتع اللّه بأدبك ، وأمتع الأدب وأهله بك - حين سمعت بالمجموع الكبير الذي سميته « نزهة الأديب » « 3 » ظننتني قصدت به قصد من يؤلف كتابا ، فيصنفه أصنافا ويبوّبه أبوابا ، حتى يتميز فيه النثر عن النظم ، والجدّ عن الهزل ، والسمين عن الغث ، والبارع عن الرذل ، وتكثر فيه الأشكال والنظائر ، وتتشابه منه الأوائل والأواخر ، ولم تعلم أنه جرى مجرى التعليق ، الذي يحتوي على الجليل والدقيق ، ويقرن بين القريب والسحيق ، ويكون كاتبه كحاطب الليل يجمع نبعا « 4 » وقتادا « 5 » ، وجارف السيل يجمل منافع وأزبادا ، ويكون قارئه كغائص البحر يغوص مرة على الدرة الثمينة ، وأخرى على الصدقة المهينة ، حتى يخرج من الجد الشريف إلى المزح السخيف ، ومن الجذل البديع إلى الهزل الشنيع ، ومن فصيح المقال إلى العي المحال ومن الموعظة التي تدنى إلى الرب إلى النادرة التي تغرى بالذنب . ورأيت ميلك من جميع ذلك إلى
--> ( 1 ) احتقب الشيء : أردفه ، واحتقب فلان الإثم : ارتكبه . ( 2 ) الجدد : الأرض المستوية ، وفي المثل : « من سلك الجدد أمن العثار » ، يضرب في طلب العافية . ( 3 ) في كشف الظنون 2 / 1939 : « نزهة الأدب » لأبي سعيد منصور بن الحسين الآبي . ( 4 ) النبع : شجر تصنع منه القسي والسهام . ( 5 ) القتاد : الشوك .