القاضي أبي يوسف يعقوب بن ابراهيم

40

كتاب الخراج

شرحبيل إلى قنسرين ففتحها ، ووجه عياض بن غنم الفهري إلى الجزيرة ومدينة ملك الروم يومئذ الرّها فعمد لها عياض بن غنم ولم يتعرض لشيء مما مر به من القرى والرساتيق ولم يلق كيدا ولا جندا حتى نزل الرها فأغلق أصحابها أبوابها وأقام عياض عليها لبنا لم يسم لي . فلما رأى صاحبها الحصار ويئس من المدد فتح لها بابا في الجبل ليلا فهرب ، وأكثر من كان معه من الجند وبقي في المدينة أهلها من الأنباط وهم كثير ، ومن لم يرد الهرب من الروم وهم قليل . فأرسلوا إلى عياض بن غنم يسألونه الصلح على شيء سموه فكتب عياض بذلك إلى أبى عبيدة بن الجراح فلما أتاه الكتاب بعث به إلى معاذ بن جبل فأقرأه إياه ، فقال له معاذ : انك ان أعطيتهم الصلح على شيء مسمى فعجزوا عنه لم يكن لك أن تقتلهم ولم تجد بدا من إبطال ما اشترطت عليهم من التسمية ، وان أيسروا أدوه على غير الصغار الذي أمر اللّه به فيهم ، فاقبل منهم الصلح وأعطهم إياه على أن يؤدوا الطاقة ، فان أيسروا أو أعسروا لم يكن لك عليهم إلا ما يطيقون ، وتم لك شرطك ولم يبطل . فقبل ذلك أبو عبيدة وكتب إلى عياض بن غنم فلما أتى عياض بن غنم الكتاب أعلمهم ما جاء فيه ، فاختلف عليه في هذا الموضع ، فقال قائل : قبلوا الصلح على قدر الطاقة . وقال آخر : أنكروا ذلك وعلموا أن في أيديهم أموالا وفضولا تذهب ان أخذوا بالطاقة وأبوا الا شيئا مسمى . فلما رأى عياض إباءهم وحصانة مدينتهم وآيس من فتحها عنوة صالحهم على ما سألوا واللّه أعلم أىّ ذلك كان الا أن الصلح قد وقع وفتحت عليه المدينة لا شك في ذلك . ثم سار عياض بن غنم إلى حرّان أو بعث وكانت أقرب المدائن اليه فأغلقها أهلها من الأنباط ونفر يسير من الروم وكانوا بها فعرض عليهم ما أعطى أهل الرها . فلما رأوا مدينة ملكهم قد فتحت أجابوا إلى ذلك أجمعون . فأما القرى والرساتيق فان أحدا منهم لم يدع ولم يمتنع الا أن أهل كل كورة كانوا إذا فتحت مدينتهم يقولون نحن أسوة أهل مدينتنا ورؤسائنا . ولم يبلغني أن عياضا أعطاهم ذلك ولا أباه عليهم . فأما من ولى من خلفاء المسلمين بعد فتحها فإنهم قد جعلوا أهل الرساتيق أسوة أهل المدائن إلا في أرزاق الجند فإنهم حملوها عليهم