منصور بن أحمد الهروي

34

منية الراضي في رسائل القاضي

وقوله في ختام رسالة فكاهية أيضا يحيل إلى شعر بشار : « وما عرفت الجاني فعرّفنيه ، وقد تمّ ، ودلّنى عليه ولا تهتمّ ، ونبّه لها عمرا ، ثمّ نم » « 1 » . وافتتح وصفه لرحلة صيد باقتباس من شعر ابن الرمي : « خرجنا وقد كست الشمس الأرض بردا مسمعا ، ونفّضت على الأفق الغربىّ ورسا مذعذعا ، إلى رابية مشرفة على السهول والأوعار ، تسافر بالأبصار في الأقطار » « 2 » . واختتم بعض عباراته بمثل شعري متداول : « فإن كان حلّ العقد ، ونسي العهد - وما أظنّه - فما الذي دعاه إليه ، وحدا عليه ؟ وإن كان على الإخاء مقيما ، وعلى سنن الوفاء مستقيما ، فما العذر من هذا الهجران ، الذي كان يجانس فيه أبناء الزمان ؟ و ( لعل له عذرا وأنت تلوم ) » « 3 » . وقد أكثر من مثل هذا الاقتباس أو التضمين ، وعمد أحيانا إلى التلميح دونما إلغاز أو تعمية . وأظهرت مداعباته قدرة على الهزل والإطراف ، وهو فنّ لا يبرع فيه إلا ذو الطبع المواتى الذي يطوّع أساليبه فيباسط ويتلطّف دون أن يفسد المعاني أو يخلّ بما يتطلبه الذوق السليم ، ومن ممازحاته أنه عمد إلى التعليق على بعض أسماء الأعلام متفكّها ، فقال عن الشاعر منصور ابن سلمة النمرىّ : « . . . فإني تحت قول النمري ، من ولد النمر بن قاسط ، ولا أدرى لم قلبت ميمه من الكسر إلى الفتح ، ولا أشك أن له علّة جليّة ، فإن كانت موجودة في خزانة حكمتك فاجعلها لي هديّة ، أعتقد لك عليها منّة سنيّة ، وأعدّها منك نعمة هنيّة ، وإن بخلت أو تباخلت ، أو غفلت أو تغافلت ، لحقك لوم وعذل ، ولم يقبل منك صرف ولا عدل . . . » « 4 » . وقال في موضع آخر أثبت فيه أسماء بعض الأعلام ، معظمهم من النحويين ، وذكر لكل علم مرادفا أو ضدّا أو نظيرا : « . . . فرضى اللّه عن شيخنا سيبويه أو جلبويه ، وسقى تربة أخينا نفطويه أو دهنويه ، ونسي اللّه من نسي إمامنا شمر بن حمدويه أو ذمّويه ، وجزى خيرا من ترحّم على عمنا ابن خالويه أو عمّويه ، ولم يبق ممّن أذكره غير خالنا مسكويه أو عودويه ، لا إله إلا

--> ( 1 ) انظر ما يلي : ص 140 . ( 2 ) نفسه : ص 152 . ( 3 ) نفسه : ص 103 . ( 4 ) نفسه : ص 133 .