صالح أحمد العلي

18

المنسوجات والألبسة العربية في العهود الإسلامية الأولى

حدود المادة قدّمت المصادر الأولى معلومات غنية متفرقة ، ولكنها لا تكفي لتكوّن صورة كاملة لأحوال وتطور المنسوجات وما يتصل بها . ومرجع بعض ذلك أن جل المعلومات جاءت من رواة كانوا مقيمين في القرن الأول وأوائل القرن الثاني في مكة والمدينة ، ثم تلاهم من كان يقيم في بغداد والبصرة والكوفة ، ثم كثر من كان يقيم منهم بعد ذلك في مصر ، ولم يكونوا يمارسون صناعة النسيج ومتعلقاتها ، ولم يعرف عن أحد منهم زيارة أي من هذه المراكز ، فمعلوماتهم مستمدة من مراكز لا تنتج المنسوجات وإنما تستوردها ، ولا تصنع المنسوجات وإنما تعرضها للبيع والاستعمال ، فهي معلومات أوثق صلة بالتجارة منها بالصناعة ، وهي لا تذكر كثيرا من المنسوجات التي كانت تنتج وتستهلك محليا ولا تصدّر . ثم إن معلوماتها عن كثير من المنسوجات تتعلّق بالثوب واستعماله وسعره ، دون ذكر المادة التي صنع منها والمهارة الصناعية التي بذلت فيها ، وهل هي من الكتان أم من الحرير أو القطن أم من كليهما ، وما علّة الارتفاع الاستثنائي لأسعار بعضها . والمصادر القديمة تتبع أسسا متباينة في تسمية المنسوجات ، فتسمّى بعضها بأسماء ذات صلة باللباس ، وغير محددة المعاني كالحبرة والمطرف والرداء . وتسمّي منسوجات أخرى بأسماء أشخاص كالسعيدية ، أو بأسماء أقاليم كالعمانية والقطرية ، أو بأسماء بلد أو مدينة ، كالجندية والعدنية والصنعائية . وأغلب هذا الصنف الأخير مرتبط بأماكن في اليمن وفي جزيرة العرب ثم في خراسان . ولا بد أن هذا التسمية ترجع إلى أن لكل منسوج منها سمة مميزة ، وأن صناعته ذات صلة بالمكان المسمّاة به ، فهي متركزة فيه عند ظهور الإسلام أو قبله ، وإن كانت لا تحدّد أو تلمح إلى تاريخ نشأته أو سماته المميزة في المادة والمهارة والمظهر ، كما أنها لا تبيّن العلاقة بين المنسوج المسمّى باسم إقليم كاليماني والخراساني ، وبين المسمّى في مكان محدود من ذلك الإقليم كالجندي والصبري في اليمن ، والمروي والنيسابوري في خراسان .