ابن سعيد علي بن موسى الأندلسي

222

المقتطف من أزاهر الطرف

ما جرى من بعض أصحابنا الذين عاشروا الأدباء ، وفهموا فهما معكوسا . حضر ليلة عند رئيس ، فغنت جارية بقول الشاعر : حمامة بطن الواديين ترنّمى * سقاك من الغرّ الغوادى مطيرها فما أتمّت البيت حتى علا شهيقه ، فقلنا له : ما شأنك ، فجعل يبكى ويزيد . فأسكتنا القينة ، وأخذنا في سؤاله . فقالت : تذكرت حمارة كانت عندنا ببلادنا ببطن الوادي كنت أنيكها أنا وأخ لي ، فها أنا هاهنا ، وما أدرى ما فعل اللّه بأخي ولا بالحمارة . فانقلب المجلس ضحكا . فدخل في السلاح وجذب القوس إذ فهم أنّا نهزأ به . فاجتمعنا عليه ، وأوثقناه كتافا ، وجعلناه في بيت مفرد حتى أصبحنا وخلّينا سبيله ، ولم نشرب معه بعد ذلك خوفا من عربدته وتذكّره القصة . ا ، ب حكاية مضحكة ذكر ابن الربيب أيضا أن شخصا من أصحاب المرقّعات المرائين بكثرة الصلاة والتسبيح صحب في طريق تاجرا كثير المال والمماليك الملاح فأنسوا بذلك الفقير وصبّروه إماما في الصلاة ، فلما أجهدهم التعب ذات يوم وقعوا في الليل كالأموات / فدبّ على واحد منهم ، فقام معه وقد فرغ . وأفلت الفقير ، وعاد لمكانه ، وانقلب على وجهه ، وجرّد عن مؤخّره ، وملأه بصاقا ، وصاح المملوك ، وأسرجت الشمعة ، وطلب الفاعل ، وجعل التاجر يتصفح مكان الريبة ، فنظر إلى الصوفي على تلك الحال ، فلها عن المملوك . وقال : انظر هذا الفاعل الصانع الذي دبّ حتى على الرجل الصالح ، استروا جحره ، وامسحوا ثقبه لئلا ينتبه ونقع معه في خجله . فامتثلوا ما أمر به سيّدهم وجعلوا يضحكون من الفقير ، وتغافلوا عن البحث فرأوا ستر القضيّة أولى . أخرى كان بدمشق شخص يعرف بسليمان المفسّر له حكايات في هذا الباب غريبة ، ومن أطرفها أن جماعة من الجيدريّة « 1 » وصلوا من العجم إلى دمشق ، وكان معهم

--> ( 1 ) الجيدرية : نسبة إلى قرية بالشام جاء في اللسان أن اسمها ( « جدر » ويظهر انها كانت مشهورة بصناعة الخمر الجيد ، فيقال خمر جيدرية أنظر اللسان مادة جدر .