ابن سعيد علي بن موسى الأندلسي
207
المقتطف من أزاهر الطرف
إذا عزم لم تردّ عزماته ، فلما ولى المهدى أمّره على القضاء . قال العباس : فقلت له : إن المهدى ألين عريكة من الماضي . فقال : أما الآن فلا أخشى شماتة الأعداء . ثم إن المهدى عزله . فقام إليه رجل ؛ فقال : الحمد للّه الذي عزلك ، فقد كنت تطيل النشوة ، وتقبل الرشوة ، وتوطئ العشوة . فقام إليه رجل فخنقه ، فجعل يصيح : قتلني يا أبا عبد اللّه فقال : لقد ذلّ من ليس له سفيه . ابن أبي ليلى « 1 » قد قيل فيه أيضا أنه أول من ولى القضاء ببغداد ، وأن المنصور أحضره ليوليه ذلك ، فامتنع إلى أن أكل عنده من طعام يليق بالملوك . فلما خرج قال المنصور للربيع حاجبه : لقد أكل الشيخ عندنا أكلة ، ما أراه يفلح بعدها أبدا ، فلما كان عشىّ ذلك اليوم راح ابن ليلى إلى المنصور فقال : يا أمير المؤمنين : إني فكرت فيما عرضته علىّ من الحكم بين المسلمين ، فرأيت أنه لا يسعني خلافك فقال المنصور : خار اللّه لنا ولك ، وولاه القضاء . ثم قال للربيع : كيف رأيت حدسى في الشيخ . سوّار بن عبد اللّه « 2 » : قاضى البصرة دخل على المنصور والمصحف في حجره ، فوعظه فبكى ، وقال : يا ليتني متّ قبل هذا . ثم قال : يا سوّار ، إني أعانى نفسي منذ وليت أمور المسلمين على حمل الدّرة على عنقي والمشي في الأسواق على قدمي ، وأن أسدّ بالجريش من الطعام جوعى ، وأوارى بالخشن من الثياب عورتي ، وأضع قدر من أراد الدنيا ، وأرفع قدر من أراد الآخرة ، فلم تطعنى ونفرت نفورا شديدا . فقال : لا تجشّمها يا أمير المؤمنين مالا تطيق . وألزمها أربع خصال تسلم إلى آخرتك ودنياك : أقم الحدود بالعدل ، وأجب الأموال من وجوهها ، وأقسمها بالحق على أهلها .
--> ( 1 ) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، ولي القضاء لبنى أمية ثم لبني العباس ، وكان فقيها مفتيا بالرأي . أنظر أصحاب الرأي في المعارف ص 217 ، توفى عام 148 ه . انظر ابن خلكان . ( 2 ) أبو عبد اللّه سوار بن عبد اللّه بن سوار بن عبد اللّه بن قدامة العنبري البصري . نزل بغداد ، وولى بها قضاء الزصافة ، وكان فقيها فصيحا ، أديبا شاعرا ، وقد وثقه كثيرون منهم أحمد بن حنبل ، توفى عام 245 ه ، انظر تاريخ بغداد 4788