ابن سعيد علي بن موسى الأندلسي

89

المقتطف من أزاهر الطرف

أبو الوليد بن زيدون : « 1 » له رسالة خاطب بها ابن جهور من معتقله : إن سلبتنى أعزك اللّه لباس إنعامك ، وعطلتنى من حلى إيناسك ، وغضضت عنى طرف عنايتك ، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلى لك ، وسمع الأصم ثنائى عليك ، وأحس الجماد باستنادى إليك فقد يغص بالماء شاربه ، ويفتك الدواء بالمستشفى به ، ويؤتى الحذر من مأمنه ، وإني لأتجلد فأقول هل أنا إلا يد أدماها سوارها ، وجبين عضّ به إكليله ، ومشرفى ألصقه بالأرض صاقله ، وسمهرى عرضه على النار مثقفه ، والعتب محمود عواقبه ، والنبوة غمرة ثم تنجلى ، والنكبة سحابة صيف عن قريب تنقشع ، وليت شعري ما الذنب الذي أذنبت ولم يسعه العفو ، ولا أخلو من أن أكون بريئا فأين العدل ، أو مسيئا فأين الفضل ، وما أراني إلا لو أمرت لآدم بالسجود فأبيت ، وعكفت على العجل واعتديت في السبت لكان فيما جرى على ما يحتمل أن يسمّى نكالا . أبو عبد اللّه محمد بن أبي الفضل الخصال « 2 » : كتب في رسالة : وعذرا إليك - أعزك اللّه - فإني كتبته والنوم مغازل ، والقر منازل ، والريح تلعب بلا سراج ، وتصول عليه صولة الحجاج ، فطورا تسدده سنانا وتارة تحركه لسانا ، وآونة تطويه حبابة ، وأخرى تنشره ذؤابة ، وتقيمه إبرة لهب ، وتعطفه برة ذهب وحمة عقرب ، وتقوسه حاجب فتاة ذات غمزات ، وتتسلط على سليطه ، وتزيله عن خليطه ، وتحلقه نجما ، وتمده رجما ، وتسل روحه من ذباله ، وتعيده إلى حاله ، وربما نصبته أذن جواد ، وسخته حدق جراد ، ومشقته خاطف برق ، يكف بودق ، ولثمت بسناه قنديله ، وألقت على أعطافه منديله ، فلاحظ منه للعين ، ولا هداية في الطرس لليدين ، والليل زنجي الأديم ، تبرىّ النجوم ، قد جلّلنا ساجه ، واغترفتنا أمواجه ، فلا مجال للحظة ، ولا تقارف إلا بلفظة ، والكلب قد صافح خيشومه ذنبه وأنكر البيت وطنبه .

--> ( 1 ) أنظر ترجمة له في المغرب 1 / 63 وانظر مصادر المحقق . ( 2 ) أبو عبد اللّه محمد بن مسعود ، كان كاتبا لعلي بن يوسف بن تاشفين استشهد عام 540 ه . أنظر ترجمته في المغرب 2 / 66 ، والمطرب ص 187 ، والمعجب ( نثر دوزى ) ص 124 ، وترجم له الضبي في البغية وابن بشكوال في الصلة .