أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
79
مقامات بديع الزمان الهمذاني
فلمّا بلغ هذا البيت قال : يا قوم وطئت داركم بعزم لا العشق شاقه ، ولا الفقر ساقه ، وقد تركت وراء ظهري حدائق وأعنابا ، وكواعب أترابا « 1 » ، وخيلا مسوّمة ، وقناطير مقنطرة ، وعدّة وعديدا ، ومراكب وعبيدا ، وخرجت خروج الحيّة من جحره ، وبرزت بروز الطّائر من وكره ، مؤثرا ديني على دنياي ، جامعا يمناي إلى يسراي ، واصلا سيري بسراي « 2 » ، فلو دفعتم النّار بشرارها ، ورميتم الرّوم بحجارها ، وأعنتموني على غزوها ، مساعدة وإسعادا ، ومرافدة وإرفادا ، ولا شطط فكلّ على قدر قدرته ، وحسب ثروته ، ولا أستكثر البدرة ، وأقبل الذّرّة ، ولا أردّ التّمرة ، ولكلّ منّي سهمان : سهم أذلّقه للّقاء وآخر أفوّقه بالدّعاء « 3 » ، وأرشق به أبواب السّماء ، عن قوس الظلماء . قال عيسى بن هشام : فاستفزّني رائع ألفاظه ، وسروت جلباب النّوم « 4 » ، وعدوت إلى القوم ، فإذا واللّه شيخنا أبو الفتح الإسكندريّ بسيف قد شهره ، وزيّ قد نكّره ، فلمّا رآني غمزني بعينه ، وقال : رحم اللّه من أعاننا بفاضل ذيله ، وقسم لنا من نيله ، ثمّ أخذ ما أخذ ، وخلوت به فقلت : أأنت من أولاد النّبيط ؟ فقال : أنا حالي من الزّما * ن كحالي مع النّسب « 5 » نسبي في يد الزّما * ن إذا سامه انقلب أنا أمسي من النّبي * ط وأضحي من العرب
--> ( 1 ) الكواعب : البنات البارزات الثدي . أترابا : في العمر نفسه . ( 2 ) السري : السير في الليل . ( 3 ) ذلق السهم : حدده . وفوّق السهم : أعده للرمي . ( 4 ) سروت جلباب النوم : خلعت ثوب النوم . ( 5 ) يريد أن يقول إن نسبه متقلب كالزمان فتارة نبطي وطورا عربي .