أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
74
مقامات بديع الزمان الهمذاني
الضّرّ إلّا من لا يأمن مثله ، يا أصحاب الجدود « 1 » المفروزة ، والأردية المطروزة ، والدّور المنجّدة ، والقصور المشيّدة ، إنّكم لن تأمنوا حادثا ، ولن تعدموا وارثا ، فبادروا الخير ما أمكن ، وأحسنوا مع الدّهر ما أحسن ، فقد واللّه طعمنا السّكباج ، وركبنا الهملاج ، ولبسنا الدّيباج ، وافترشنا الحشايا ، بالعشايا « 2 » ، فما راعنا إلّا هبوب الدّهر بغدره ، وانقلاب المجنّ لظهره ، فعاد الهملاج قطوفا « 3 » ، وانقلب الدّيباج صوفا ، وهلمّ جرّا إلى ما تشاهدون من حالي وزيّي ، فها نحن نرتضع من الدّهر ثدي عقيم ، ونركب من الفقر ظهر بهيم ، فلا نرنو إلّا بعين اليتيم ، ولا نمدّ إلّا يد العديم ، فهل من كريم يجلو غياهب هذه البئوس ، ويفلّ شبا هذه النّحوس ؟ « 4 » ثمّ قعد مرتفقا « 5 » وقال للطّفل : أنت وشأنك ، فقال : ما عسى أن أقول وهذا الكلام لو لقي الشّعر لحلقه ، أو الصّخر لفلقه ، وإنّ قلبا لم ينضجه ما قلت لنيّء ، وقد سمعتم يا قوم ، ما لم تسمعوا قبل اليوم ، فليشغل كلّ منكم بالجود يده ، وليذكر غده ، واقيا بي ولده ، واذكروني أذكركم ، وأعطوني أشكركم . قال عيسى بن هشام : فما آنسني في وحدتي إلّا خاتم ختّمت به خنصره ، فلمّا تناوله أنشأ يصف الخاتم على الإصبع ، وجعل يقول :
--> ( 1 ) الجدود : الحظوظ . ( 2 ) السكباج : اللحم يطبخ بالخل . الهملاج : الدابة السريعة . الديباج : الحرير . الحشايا : جمع حشية وهي الوسادة . ( 3 ) القطوف : الدابة البطيئة في سيرها . ( 4 ) شبا : جمع شباة وهي سن الرمح ، أو هي حد الشيء . ( 5 ) مرتفعا : مستندا إلى مرفقيه .