أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني

67

مقامات بديع الزمان الهمذاني

أخذوا الوقت بين آس مخضود « 1 » ، وورد منضود « 2 » ، ودنّ مفصود « 3 » ، وناي وعود ، فصرنا إليهم وصاروا إلينا ، ثمّ عكفنا على خوان « 4 » قد ملئت حياضه ، ونوّرت رياضه ، واصطفّت جفانه « 5 » ، واختلفت ألوانه ، فمن حالك بإزائه ناصع ، ومن قان تلقاءه فاقع « 6 » ، ومعنا على الطّعام رجل تسافر يده على الخوان ، وتسفر بين الألوان « 7 » ، وتأخذ وجوه الرّغفان ، وتفقأ عيون الجفان ، وترعى أرض الجيران « 8 » ، وتجول في القصعة ، كالرّخّ في الرّقعة « 9 » ، يزحم باللّقمة اللّقمة ، ويهزم بالمضغة المضغة ، وهو مع ذلك ساكت لا ينبس بحرف ، ونحن في الحديث تجري معه ، حتّى وقف بنا على ذكر الجاحظ « 10 » وخطابته ، ووصف ابن المقفّع « 11 » وذرابته ، ووافق أوّل الحديث آخر الخوان ، وزلنا عن ذلك

--> ( 1 ) الآس : الريحان . ومخضود : مجمع ومثنى من غير كسر . ( 2 ) منضود : جمع بعضه فوق بعض . ( 3 ) الدن المفصود : وعاء الخمر المفتوح . ( 4 ) الخوان : المائدة قبل وضع الطعام عليها . ( 5 ) الجفان : جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة . ( 6 ) حالك : أسود . ناصع : أبيض . قان : أحمر . فاقع : أصفر . ( 7 ) تسفر بين الألوان : توفق وتتوسط بين مختلف أنواع الطعام . ( 8 ) ترعى أرض الجيران : أي يتناول طعام الآخرين . ( 9 ) الرخ في الرقعة : طابية الشطرنج التي تروح وتجيء في نواحيه الأربعة . ( 10 ) الجاحظ : هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني ( 150 - 250 ه ) ولد وتوفي في البصرة ، وجمع الأدب إلى الفلسفة ، وكان أحد شيوخ المعتزلة الكبار ، وألف نحو مائتي كتاب ورسالة أهمها الحيوان ، والبيان والتبيين ، والبخلاء ، والتربيع والتدوير ، والمعرفة ، ونفي التشبيه الخ . ( 11 ) ابن المقفع : هو عبد اللّه أو روزبه بن داذويه ( - 759 م ) . عاش في العصرين الأموي والعباسي واتصل بأعمام المنصور الخليفة العباسي الذي -