أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
63
مقامات بديع الزمان الهمذاني
وأخوض بطن الليل ، بحوافر الخيل ، فبينا أنا في ليلة يضلّ فيها الغطاط « 1 » ، ولا يبصر فيها الوطواط « 2 » ، أسيح سيحا ، ولا سانح إلّا السّبع ، ولا بارح إلّا الضّبع « 3 » ، إذ عنّ لي راكب تامّ الآلات ، يؤمّ الأثلات ، يطوي إليّ منشور الفلوات ، فأخذني منه ما يأخذ الأعزل من شاكي السّلاح ، لكنّي تجلدت فقلت : أرضك لا أمّ لك ، فدونك شرط الحداد ، وخرط القتاد « 4 » ، وخصم ضخم ، وحميّة أزديّة ، وأنا سلم إن شئت ، وحرب إن أردت ، فقل لي : من أنت ؟ فقال : سلما أصبت ، فقلت : خيرا أجبت ، فمن أنت ؟ قال : نصيح إن شاورت فصيح إن حاورت ، ودون اسمي لثام ، لا تميطه الأعلام ، قلت : فما الطّعمة ؟ قال : أجوب جيوب البلاد ، حتّى أقع على جفنة جواد ، ولي فؤاد يخدمه لسان ، وبيان يرقمه بنان وقصاراي كريم يخفض لي جنيبته ، وينفض إليّ حقيبته ، كابن حرّة طلع عليّ بالأمس ، طلوع الشّمس ، وغرب عنّي بغروبها « 5 » ، لكنّه غاب ولم يغب تذكاره ، وودّع وشيّعتني آثاره ، ولا ينبئك عنها ، أقرب منها ، وأومأ إلى ما كان لبسه ، فقلت : شحّاذ وربّ الكعبة أخّاذ ، له في الصّنعة نفاذ ، بل هو فيها أستاذ ، ولا بدّ من أن ترشح له ، وتسحّ عليه « 6 » ، فقلت : يا فتى قد
--> ( 1 ) الغطاط : القطا ، مضرب المثل في الهداية . ( 2 ) الوطواط : الخفاش طائر يبصر في الليل ويعمى في النهار . ( 3 ) السانح : الطير الذي يمر عن يمينك . والبارح : الطير الذي يمر عن شمالك ( 4 ) خرط القتاد : انتزاع شوكه أو قشره باليد . والقتاد شجر صلب له شوك كالإبر ( 5 ) يصف نفسه بأنه حواب أفاق يلتمس المال من الكرام ، ويعتمد في استدر عطف الناس على فصاحته . ( 6 ) أي تغدق عليه من مالك .