أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
61
مقامات بديع الزمان الهمذاني
وهذه البصرة ماؤها هضوم ، وفقيرها مهضوم ، والمرء من ضرسه في شغل ، ومن نفسه في كلّ « 1 » ، فكيف بمن : يطوّف ما يطوّف ثمّ يأوي * إلى زغب محدّدة العيون كساهنّ البلى شعثا فتمسي * جياع النّاب ضامرة البطون « 2 » ولقد أصبحن اليوم وسرّحن الطّرف في حيّ كميت ، وبيت كلا بيت ، وقلّبن الأكفّ على ليت ، ففضضن عقد الضّلوع ، وأفضن ماء الدّموع ، وتداعين باسم الجوع . والفقر في زمن اللّئا * م لكلّ ذي كرم علامه رغب الكرام إلى اللّئا * م ، وتلك أشراط القيامة « 3 » ولقد اخترتم يا سادة ، ودلّتني عليكم السّعادة ، وقلت قسما ، إنّ فيهم لدسما ، فهل من فتى يعشّيهنّ ، أو يغشّيهنّ ؟ وهل من حرّ يغدّيهنّ ، أو يردّيهنّ ؟ قال عيسى بن هشام : فو اللّه ما استأذن على حجاب سمعي كلام رائع أبرع ، وأرفع وأبدع ، ممّا سمعت منه ، لا جرم أنّا استمحنا الأوساط ، ونفضنا الأكمام ، ونحّينا الجيوب ، ونلته أنا مطرفي ، وأخذت الجماعة إخذي ، وقلنا له : الحق بأطفالك ، فأعرض عنّا بعد شكر وفّاه ، ونشر ملأ به فاه .
--> ( 1 ) ماؤها هضوم : يساعد على الهضم . فقيرها مهضوم : لا يرعى حقه . والمرء من ضرسه في شغل : أي يشغله تحصيل قوته عن غيره . ( 2 ) المعنى : أن أولاده كالأفراخ بلا ريش أو ثياب يشخصون بعيونهم يلتمسون ما معه ، متغيرون ، جياع . ( 3 ) يعني أن علامات ( أشراط ) القيامة قد ظهرت وذلك بأن يملق الكرام ويغتني اللئام ويقصد الكرام إلى اللئام يسألونهم العطاء .