أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني

55

مقامات بديع الزمان الهمذاني

ولو شئت ، لزدت ، قال : إنّ وراءكم موارد أنتم واردوها ، وقد سرتم إليها عشرين حجّة : وإن امرأ قد سار عشرين حجّة * إلى منهل من ورده لقريب « 1 » ومن فوقكم من يعلم أسراركم ، ولو شاء لهتك أستاركم ، يعاملكم في الدّنيا بحلم ، ويقضي عليكم في الآخرة بعلم « 2 » ، فليكن الموت منكم على ذكر ، لئلّا تأتوا بنكر ، فإنّكم إذا استشعرتموه لم تجمحوا ، ومتى ذكرتموه لم تمرحوا ، وإن نسيتموه فهو ذاكركم ، وإن نمتم عنه فهو ثائركم ، وإن كرهتموه فهو زائركم ، قلنا : فما حاجتك ؟ قال : أطول من أن تحدّ ، وأكثر من أن تعدّ ، قلنا : فسانح الوقت « 3 » ، قال : ردّ فائت العمر ، ودفع نازل الأمر ، قلنا : ليس ذلك إلينا ، ولكن ما شئت من متاع الدّنيا وزخرفها ، قال : لا حاجة لي فيها ، وإنّما حاجتي بعد هذا أن تخدوا « 4 » أكثر من أن تعوا .

--> ( 1 ) أي لقد انسلخ من عمركم عشرون سنة قربتكم من الموت . ( 2 ) أي أن اللّه من فوقكم يعلم ما تضمرون ويحاسبكم في الآخرة . ( 3 ) فسانح الوقت : اذكر ما يسمح لك به الوقت من المواعظ . ( 4 ) وخد : أسرع في سيره . يعني يجب أن تجدّوا في العمل أكثر مما تعوا من القول .