أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
52
مقامات بديع الزمان الهمذاني
ببشارة من نبيكم ، لكنّي لا أؤدّيها حتّى يطهّر اللّه هذا المسجد من كلّ نذل يجحد نبوءته . قال عيسى بن هشام : فربطني بالقيود ، وشدّني بالحبال السّود « 1 » ، ثمّ قال : رأيته صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام ، كالشّمس تحت الغمام ، والبدر ليل التّمام ، يسير والنّجوم تتبعه ، ويسحب الذّيل والملائكة ترفعه ، ثمّ علّمني دعاء أوصاني أن أعلّم ذلك أمّته ، فكتبته على هذه الأوراق بخلوق ومسك ، وزعفران وسك « 2 » ، فمن استوهبه منّي وهبته ، ومن ردّ عليّ ثمن القرطاس أخذته . قال عيسى بن هشام : فلقد انثالت عليه الدّراهم حتّى حيّرته ، وخرج فتبعته متعجّبا من حذقه بزرقه « 3 » ، وتمحّل رزقه ، وهممت بمسألته عن حاله فأمسكت ، وبمكالمته فسكتّ ، وتأمّلت فصاحته في وقاحته ، وملاحته في استماحته « 4 » ، وربطه النّاس بحيلته ، وأخذه المال بوسيلته ، ونظرت فإذا هو أبو الفتح الإسكندريّ ، فقلت : كيف اهتديت إلى هذه الحيلة ؟ فتبسّم وأنشأ يقول : النّاس حمر فجوّز * وابرز عليهم وبرّز « 5 » حتّى إذا نلت منهم * ما تشتهيه ففروز « 6 »
--> ( 1 ) الحبال السود : السلاسل الحديدية . يريد أنه أجبر على البقاء . ( 2 ) الخلوق والخلاق : نوع اصطناعي من الطيب . وكذلك السك . ( 3 ) الزرق : رمي الصياد صيده بالمزراق ، وأراد هنا حيلة في اصطياد دراهم الناس . ( 4 ) الاستماحة : طلب العطاء . ( 5 ) جوز : قاد . ( 6 ) فروز : مات . يريد ان يقول أن الناس أغبياء كالحمير ، فقدهم حيث تشاء وأظهر عليهم وانبه بينهم ، وإذا نلت منهم بغيتك فارقهم ولو بالموت .