أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
37
مقامات بديع الزمان الهمذاني
طرفا ، لتزدادوا بي شغفا ؟ فقلنا : هات ، فعمد إلى قوس أحدنا فأوتره . وفوّق سهما فرماه في السّماء « 1 » ، وأتبعه بآخر فشقّه في الهواء ، وقال : سأريكم نوعا آخر ، ثمّ عمد إلى كنانتي فأخذها ، وإلى فرسي فعلاه ، ورمى أحدنا بسهم أثبته في صدره ، وآخر طيّره من ظهره ، فقلت : ويحك ما تصنع ؟ قال : اسكت يا لكع « 2 » ، واللّه ليشدّنّ كلّ منكم يد رفيقه ، أو لأغصّنّه بريقه ، فلم ندر ما نصنع وأفراسنا مربوطة ، وسروجنا محطوطة ، وأسلحتنا بعيدة ، وهو راكب ونحن رجّالة ، والقوس في يده يرشق بها الظّهور ، ويمشق بها البطون والصّدور ، وحين رأينا الجدّ ، أخذنا القدّ « 3 » ، فشدّ بعضنا بعضا ، وبقيت وحدي ، لا أجد من يشدّ يدي ، فقال : اخرج بإهابك ، عن ثيابك ، فخرجت ثمّ نزل عن فرسه ، وجعل يصفع الواحد منّا بعد الآخر ، وينزع ثيابه وصار إليّ وعليّ خفّان جديدان ، فقال : اخلعهما لا أمّ لك ، فقلت : هذا خفّ لبسته رطبا فليس يمكنني نزعه ، فقال : عليّ خلعه ، ثمّ دنا إليّ لينزع الخفّ ، ومددت يدي إلى سكّين كان معي في الخفّ وهو في شغله فأثبتّه في بطنه ، وأبنته من متنه « 4 » ، فما زاد على فم فغره « 5 » ، وألقمه حجره ، وقمت إلى أصحابي فحللت أيديهم ، وتوزّعنا سلب القتيلين ، وأدركنا الرّفيق وقد جاد بنفسه ، وصار لرمسه « 6 » ، وصرنا إلى الطّريق ، ووردنا
--> ( 1 ) أوتر القوس : ركب له وترا . فوّق السهم : سدده . ( 2 ) اللكع : الأحمق . ( 3 ) القد : رباط من الجلد ( 4 ) المتن : الظهر . ( 5 ) فغر فمه : فتحه . ( 6 ) الرمس : القبر .