أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
35
مقامات بديع الزمان الهمذاني
بقلب ساقه قدر ، وسيف كلّه أثر « 1 » ، وملكته سورة الأسد فخانته أرض قدمه ، حتّى سقط ليده وفمه « 2 » ، وتجاوز الأسد مصرعه ، إلى من كان معه ، ودعا الحين أخاه « 3 » ، بمثل ما دعاه ، فصار إليه ، وعقل الرّعب يديه ، فأخذ أرضه ، وافترش اللّيث صدره ، ولكنّي رميته بعمامتي ، وشغلت فمه ، حتّى حقنت دمه ، وقام الفتى فوجأ بطنه ، حتّى هلك الفتى من خوفه ، والأسد للوجأة في جوفه « 4 » ، ونهضنا في أثر الخيل فتألّفنا منها ما ثبت ، وتركنا ما أفلت ، وعدنا إلى الرّفيق لنجهّزه : فلمّا حثونا التّرب فوق رفيقنا * جزعنا ولكن أيّ ساعة مجزع وعدنا إلى الفلاة ، وهبطنا أرضها ، وسرنا حتّى إذا ضمرت المزاد ، ونفد الزّاد أو كاد يدركه النّفاد « 5 » ، ولم نملك الذّهاب ولا الرّجوع ، وخفنا القاتلين الظّمأ والجوع ، عنّ لنا فارس فصمدنا صمده « 6 » ، وقصدنا قصده ، ولمّا بلغنا نزل عن حرّ فرسه ينقش الأرض بشفتيه ، ويلقي التّراب بيديه ، وعمدني من بين الجماعة ، فقبّل ركابي ، وتحرّم بجنابي ، ونظرت فإذا هو وجه يبرق برق العارض المتهلّل ، وقوام متى ما ترقّ العين فيه تسهّل ، وعارض قد اخضرّ « 7 » ،
--> ( 1 ) أثر السيف : فرنده . ( 2 ) سورة الأسد : حدته . سقط ليده وفمه : انكب على وجهه . ( 3 ) الحين : الموت . ( 4 ) حقنت دمه : نجا من الموت . وجأ بطنه : بقرها . أي مات الأسد لأنه شق بطنه ، ومات الفتى جزعا . ( 5 ) ضمرت المزاد : المزاد جمع مزادة أي القربة ، وضمرت : التصق جلدها بعضه ببعض . والمعنى : نفد ماؤها . ( 6 ) عنّ لنا فارس : ظهر فارس . صمدنا : قصدنا . ( 7 ) العارض : الخد . اخضر : ظهر شعره .