أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

74

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

الخامس : أن لا يستكثر من الحلال وقت الافطار بحيث يمتلئ ، فما من وعاء أبغض إلى اللّه تعالى من بطن مليء من حلال ، فكيف يستفاد من الصوم قهر عدو اللّه وكسر الشهوة ، إذا تدارك الصائم عند افطاره ما فاته صحوة نهاره ؛ وربما يزيد من أنواع الطعام ، حتى استمرت العادات بأن يدخروا لرمضان جميع الأقوات ما لا يؤكل في سائر الأوقات . وأعلم : أن مقصود الصوم كسر الشهوة بالخوى ليتقوى بذلك على التقوى ، فإذا هاجت شهوة النفس بالجوع طول النهار ، ثم أطعمت من اللذات وأشبعت ، زادت لذتها وتضاعفت قوتها ، وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها ، فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان ، وذلك لا يحصل الا بأن يأكل أكلة في كل ليلة في غير رمضان ، بل من الأدب أن لا ينام في النهار كثيرا ، حتى يحس بجوعه وعطشه فيصفو عند ذلك قلبه ، ويخف على أوراده وتهجده ، فعسى الشيطان لا يحوم على قلبه ، فينظر إلى ملكوت السماء ، بل المراد بليلة القدر هي الليلة ينكشف فيها عن شيء من الملكوت ، ومن جعل بين قلبه وصدره مخلاة من الطعام فهو من ملكوت السماء محجوب ، ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم يخل همته عن غير اللّه ، وذلك هو الأمر كله ومبدأ الكل تقليل الطعام . السادس : ان يكون قلبه بعد الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء ، إذ ليس يدري هل يقبل صومه فهو من المقربين ، أو يرد فهو من الممقوتين . فإن قلت : الصوم هو ترك المفطرات الثلاث كما ذكره الفقهاء ، فمن أين أخذت هذه الشروط ؛ قلت : الفقهاء يبحثون عن الأفعال الظاهرة للمكلفين ، وأما الأفعال الباطنة فخارجة عن نظرهم . ولو سئل فقيه عن حرمة الغيبة مثلا يحكم بحرمته ، بل هو أشد من الافطار في نهار رمضان عمدا ، ومع ذلك يقول أن الغيبة غير مفطرة ، وذلك لخروجها عن نظره لا لأنها غير مفطرة حقيقية ، ولو كان مجرد الامساك عن المفطرات الظاهرة كافيا ، فأي معنى لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كم من صائم ليس له من صيامه الا الجوع والعطش » .