أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
19
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
الانكار عليهم وتضييق صدورهم باظهار ظلمهم وتقبيح فعلهم ، فالداخل عليهم : إما أن يلتفت إلى تجملهم فيزدري نعمة اللّه تعالى ؛ أو يسكت عن الانكار عليهم فيكون مداهنا ؛ أو يتكلف في كلامه بمرضاتهم وتحسين حالهم وذلك هو البهت الصريح ؛ أو يطمع في أن ينال من دنياهم وذلك هو السحت . وعلى الجملة فمخالطتهم مفتاح لعدة شرور ، وعلماء الآخرة طريقهم الاحتياط . ومنها : أن لا يكون مسارعا للفتوى ، بل يكون متوقفا متحرزا ما وجد إلى الخلاص سبيلا ، فان وجد عما يعلمه تحقيقا أفتى ، وان سئل عما يشك فيه قال : لا أدري ، وان سئل عما يظنه باجتهاد أو تخمين احتاط ودفع عن نفسه وأحال على غيره ، وان كان في غيره غنية . هذا هو الحزم ، لأن تقلد خطر الاجتهاد عظيم . ومنها : أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب ، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه ، وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة ، فان المجاهدة تثمر المراقبة في دقائق علم القلوب ، والجلوس مع اللّه عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكر ، والانقطاع اليه عما سواه ، فذلك مفتاح الالهام ومنبع الكشف . وكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعة بكلمة ، وكم من مقتصر على المهم في التعلم ومتوفرة على العمل ومراقبة القلب ، فتح اللّه له من لطائف الحكم ما يحار فيه عقول ذوي الألباب . ومنها : أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين الذي هو رأس مال الدين . واعلم أن اليقين عند المتكلمين ، هو رجحان أحد طرفي الحكم رجحانا لا يقبل التشكيك ، وهو الذي لا يتصور الايمان بدون بلوغه هذه الرتبة ؛ وعند الفقهاء والصوفية وأكثر العقلاء : أن يستولي ذلك الادراك على النفس ، ويغلب على القلب ، وهذا انفعال للقلب عن هذا الادراك ، ونفوذه في القلب مثل تأثير الحناء في اليد وانفعال اليد منه ؛ مثلا : يقال هذا الرجل لا يوقن بالموت ، لما أنه يغفل عنه ويسهو عن العمل بمقتضاه ؛ ويقال : هذا الرجل له قوة اليقين بالموت ، يعني أنه مستغرق الهم في استعداده ، مع أن كليهما متساويان في القطع بموته ؛ وربما يعبر عن هذا المعنى بالاذعان وعن الأول بالادراك .