أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

16

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

فالذي يجب عليك : الاقبال بعلوم الآخرة . وهي قسمان : علوم معاملة وعلوم مكاشفة ، والأول طريق للثاني . أما علوم المعاملة فهي معرفة أحوال القلب ؛ أما ما يحمد منها : كالصبر والشكر والخوف والرجاء والزهد والرضا والقناعة والتقوى والاحسان والسخاء وحسن الظن والخلق والمعاشرة والصدق والاخلاص ؛ وأما ما يذم منها : فخوف الفقر وسخط المقدور والغل والحقد والحسد والغش وطلب العلو وحبّ الثناء وحب البقاء في الدنيا والكبر والرئاء والغضب والفخر والخيلاء والتنافس وطول الأمل والفرح بالدنيا والأنس بأهلها ، إلى غير ذلك . وأما علوم المكاشفة : فمعرفة ذات اللّه سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله وحكمته ، ومعرفة معنى النبوة والنبي ، ومعنى الوحي والملائكة والشياطين ، ومعرفة الجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب ، ومعنى لقاء اللّه والنظر إلى وجهه الكريم ، ومعنى القرب منه والنزول في جواره ، إلى غير ذلك من الأحوال ، بأن يرتفع الغطاء ويتضح جلية الحق اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه ، وهذا ممكن في جوهر الانسان ، وانما يشغل عنه كدر قاذورات الدنيا ، فإذا صقل القلب عنها يتجلى له تلك العلوم بلا شك ، ويتلألأ فيه أنوار تلك الحقائق لا محالة . وهذه العلوم لا تسطر في الكتب ، ولا يتحدث بها الا من يعرفها ، فلا تحقروا عالما آتاه اللّه علما ، فان اللّه عز وجل آتاه إياه . قال بعض العارفين : من لم يكن له نصيب من هذا العلم - يعني علم المكاشفة - أخاف عليه سوء الخاتمة ؛ وأدنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله . وقال آخر : من كان فيه خصلتان لم يفتح له بشيء من هذا العلم ، وهما : البدعة والكبر . وقيل : من كان محبا للدنيا ومصرا على هوى لم يتحقق به ، وقد يتحقق بسائر العلوم . وأقل عقوبة من ينكره أن لا يرزق منه شيئا ، وهو علم الصديقين والمقربين .