أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

13

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

الآخرة وأهوالها ، فهذا هو التذكير المحمود شرعا ، الذي قد ورد الحث عليه . فنقل ذلك الآن إلى ما ترى من حال الوعاظ ، وما يواظبون عليه من القصص والأشعار والشطح والطامات . أما القصص فهو بدعة ، وقد ورد نهي السلف عن الجلوس إلى القصاص ، لأنهم ان اقتصروا على القصص الواردة في القرآن لأصابوا ، لكنهم غيروا وزادوا ونقصوا ، حتى أنهم من سمح نفسه وضع الحكايات المرغبة في الطاعات ، ويزعم أن قصده فيه دعوة الخلق إلى الحق ، وهذه من نزغات الشيطان ، فان في الصدق مندوحة عن الكذب . وأما الأشعار فأكثرها في الوعظ مذموم ، والمستمع ينزل كل ما يسمعه على ما يستولى على قلبه ، ومجالس الوعظ لا تحوي إلا أجلاف العوام ، وبواطنهم مشحونة بالشهوات ، فتحرك الأشعار المشتملة على تواصف العشق ومدح الوصال وبث آلام الهجر ، ما هي مستكنة في قلوبهم من نيران الشهوات ، فيزعقون ويتواجدون على تصور الفساد ، اللهم الا إذا كانت الأشعار مشتملة على المواعظ والحكم ، أو كانت الحضار الخواص خاصة ، فأولئك ينزلون الشعر الوارد في المخلوق على ما استولى على قلوبهم من حب الخالق . وأما الشطح فأما دعاوى طويلة عريضة في العشق مع اللّه ، والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة ، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد ، وارتفاع الحجاب ، والمشاهدة بالرؤية ، والمشافهة بالخطاب ، فيقولون : قيل لنا كذا وقلنا كذا ؛ وأما كلمات غير مفهومة ، لها ظواهر رائقة ، فيها عبارات هائلة ، وليس وراءها طائل ، وهذا إما أن لا يفهمه القائل أيضا ، وإما لخبط في عقله وتشويش في خياله ؛ أو تكون مفهومة للقائل ، ولا يقدر على التعبير ، لقلة ممارسته التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة - قال صلى اللّه عليه وسلم : « كلموا الناس بما يعرفونه ودعوا ما ينكرون ، أتريدون أن يكذب اللّه ورسوله » . وهذا فيما يفهمه صاحبه ، فكيف فيما لا يفهمه قائله ، فإن كان يفهم القائل دون السامع فلا يحل ذكره . وأما الطامات فمنها ما ذكرناه من الشطح ، وأمر آخر ، وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهر المفهوم إلى أمور باطنة ، لا يسبق منها إلى الافهام حقيقة يعتمد