أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

110

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

كلمات لا يفهم الحيوان الا بكسوة أصوات تمكنها تمييزها من النفير والصفير . فالكلام عالي المنزلة ، رفيع الدرجة ، قاهر السلطان ، نافذ الحكم في الحق والباطل ؛ وهو القاضي العدل والشاهد المرتضى يأمر وينهى ، ولا طاقة للباطل أن يقوم قدام الحكمة ، كالظل مع الشمس ، فهو ملك محجوب غائب وجهه ظاهر أمره ، وشمس ظاهرة الأضواء وعنصرها مكنون . الثاني : تعظيم المتكلم ؛ بأن يتفكر أن ظاهر الجلد - كما أنه محروس عن البشر ما لم يتطهر عن الأحداث والأخباث - كذلك معناه محجوب بحكم عزه وجلاله عن باطن القلب ، ما لم يتطهر عن الحوادث والأكوان ، أو يتنور بنور التعظيم والتوقير ، فيعظم الجلد بتعظيم الكلام عن يد غير متطهر ، والكلام بتعظيم متكلمه عن لسان غير متطهر عن الكذب والغيبة والبهتان ؛ والمتكلم بالتفكر في صفاته وأفعاله بتطهير القلب عن تلوث الحدثان وكدورات الملوان . الثالث : حضور القلب وترك حديث النفس . وهذه الصفة تتولد عن التعظيم : فإن المعظم لأحد يستأنس بكلامه ، ويحضر اليه قلبه ، ويجمع اليه همه . وكان بعض السلف إذا لم يحضر قلبه عند قراءة سورة أعادها . الرابع : التدبر . وهو وراء احضار القلب : فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ، وقد يقتصر على سماع القرآن وهو لا يتدبره ؛ والمقصود من القرآن : التدبر ، ولذلك سن فيه الترتيل . فإذا لم يتمكن من التدبر فليردد . وعن أبي ذر : « قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنا ليلة فقام بآية يرددها : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 1 » ؛ وقام سعيد بن جبير بهذه الآية يرددها : وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ « 2 » ؛ وعن أبي سليمان الداراني : اني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ، ولولا اني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها ؛ وعن بعض السلف : انه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ من التدبر فيها ؛ وقال

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية : 118 . ( 2 ) سورة يس ، آية : 51 .