أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
79
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
ظواهرها ، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق ، تنكشف على أرباب السلوك ، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة ، فهو من كمال العرفان محض الايمان . قال الامام الغزالي في بعض رسائله : أن للقرآن ظهرا وبطنا ، ولكل حد ومطلع ، فمن اقتصر منه على ظواهره فهؤلاء حشوية ؛ ومن اقتصر منه على الباطن فهؤلاء باطنية ، وكل من الطائفتين نظر العالم بالعين العوراء ، ولم يعرفوا أن لكل ظاهر باطنا ، ولكل عالم جسماني عالما مثاليا ، والانسان مركب منهما ، فإنه ببدنه الكثيف من العالم الجسماني ، وبروحه اللطيف من العالم الروحاني . ولما نزل القرآن لتكميل الانسان في النشأتين ، لم يخل شيئا منهما عن البيان ، فالاقتصار على أحدهما نقصان ؛ وإنما الكمال حمل الكلام عليهما معا مهما أمكن ، والا فلا ينبغي أن يختل أحد الجانبين لتصحيح الطرف الآخر . هذا حاصل كلام الغزالي مع توضيح له من قبلنا ، ثم ضرب لذلك مثالا وهو قوله تعالى لموسى عليه السلام : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ فان المراد بالنعلين في عالم الأجسام ما هو المعروف ؛ وفي عالم الأرواح الدنيا والآخرة ، وبين العالمين موازنة ومناسبة ، لا يطلع عليها إلا الأنبياء وخواص الأولياء . فحينئذ كما أراد اللّه تعالى خلع النعلين من موسى عليه السلام بحسب الظاهر ، كذلك أراد منه ترك الدنيا والآخرة في الباطن ، من غير إخلال إرادة أحدهما بالآخر . قال ابن سبع في ( شفاء الصدور ) : ورد عن أبي الدرداء أنه قال : لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها . وقال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليثوّر القرآن . قال : وهذا الذي قالاه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر . وقد قال بعض العلماء : لكل آية ستون ألف فهم . فهذا يدل على أن في فهم معاني القرآن ، مجالا رحبا ، ومتسعا بالغا ، لأن المنقول من التفسير الظاهر ينتهي الادراك فيه بالنقل والسماع ، ولا بد من النقل والسماع فيه ، ليتقي به مواضع الغلط ، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط . ولا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر ، بل لا بد منه أولا ؛ إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر ، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ، ولم يحكم التفسير الظاهر ، فهو كمن ادعى البلوغ في صدر البيت قبل أن يجاوز الباب . وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه في