أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
305
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
عن الهوى ، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا ، والتجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإقبال بكنه الهمة على اللّه عز وجل ، وأن ذلك لا يتم إلا بالاعراض عن الجاه والمال ، وقطع الآمال ، والهرب من الشواغل والعلائق ، ومن مخالطة الخلائق . قال : ثم لا حظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق ، وقد أحدقت بي من كل جانب ، ولا حظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم وإذا أنا مقبل فيها على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة . ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه اللّه تعالى ، بل مشوبة بطلب الجاه وانتشار الصيت ، فتيقنت أني على شفا جرف الهلاك ، وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال ، فلم أزل أتفكر فيه مدة ، وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم عزمي على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما ، وأحل العزم يوما وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى ولا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا وتحمل عليها جند الشهوة حملة فتنفرها عشية ، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام ، ومنادي الإيمان ينادي : الرحيل الرحيل ، فلم يبق من العمر إلا القليل ، وبين يديك السفر الطويل ، وجميع ما أنت فيه من العلم رياء وتخييل ، فإن لم تستعد الآن إلى الآخرة فمتى تستعد ، وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع ، فعند ذلك تنبعث الرغبة وينجزم العزم على الهرب والفرار ، ثم يعود الشيطان الغرور الغدار ، ويقول : هذه حالة عارضة إياك أن تطاوعها ، فإنها سريعة الزوال ، فإذا أذعنت لها ، وتركت هذا الجاه الطويل العريض والشأن المنظوم ، الخالي عن التكدير والتنغيص ، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم ، ربما التفت إليك نفسك فلا يتيسر لك المعاودة . فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر آخرها رجب سنة ست وثمانين وأربعمائة ، وفي هذا الشهر تجاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار إذ قفل اللّه تعالى على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطييبا لقلوب المختلفة ( إليّ ) وكانوا نحو ثلاثمائة نفر ، فكان لا ينطق لساني بكلمة ولا يستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب بطلت معه