أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
196
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
وهب ، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده ، وهؤلاء مشايخ البخاري ، ومسلم ، وأبي داود ، والترمذي ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وغيرهم من أئمة الحديث . قال بكر بن عبد اللّه الصنعاني ، أتينا مالك بن أنس ، فجعل يحدثنا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وكنا نستزيده من حديثه ، فقال لنا ذات يوم : ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذلك الطاق ، فأتينا ربيعة ، فنبهناه وقلنا له : أنت ربيعة ، قال : نعم ، قلنا : الذي يحدث عنك مالك بن أنس قال : نعم ، قلنا : كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك ، قال : أما علمتم أن مثقالا من دولة خير من حمل من علم . قال عبد الرحمن بن مهدي : سفيان الثوري إمام في الحديث وليس بإمام في السنة ؛ والأوزاعي امام في السنة وليس بإمام في الحديث ؛ ومالك بن أنس إمام فيهما جميعا . وكان مالك مبالغا في تعظيم العلم والدين ، حتى كان إذا أراد أن يحدث ، يتوضأ ، ويلبس ثيابه وعمامته ، ويسرح لحيته ، ويستعمل الطيب ، ويجلس على صدر مجلسه ، ويتمكن في جلوسه بوقار وهيبة ، وكان يطرق ، ولا يعبث بشيء من لحيته وثوبه ، ولا يتنخم ، فقيل له في ذلك ، قال : تعظيما لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وفي رواية معن بن عيسى : اغتسل وتبخر وتطيب ، فإن رفع أحد صوته في مجلسه ، زجره وقال : قال اللّه تعالى : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ « 1 » ، فمن رفع صوته عند حديثه ، فكأنما رفع صوته عنده . ومر يوما على أبي حازم وهو جالس ، فجازه وقال : لم أجد موضعا أجلس فيه ، فكرهت أن آخذ الحديث وأنا قائم ، وكان نقش خاتمه : حسبنا اللّه ونعم الوكيل ، فقيل له في ذلك ، فقال : وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ « 2 » . . الآية .
--> ( 1 ) سورة الحجرات ، آية : 2 . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية : 173 .