أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
56
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
وأيضا ينبغي للمفتي أن يتجنب في ألفاظ جوابه عن الألغاز فيوقع الخلق في جهل عظيم ويقع هو في اثم كبير وربما أداه ذلك إلى إراقة الدماء لغرض مثل قول القائل : أنا أحمد النبي . ويريد « بأحمد » الفعل . ويجعل النبي منصوبا مفعولا يعني أحمد نبينا صلى اللّه عليه وسلم . ومثل قول القائل : معي ما لم يخلقه اللّه . ويريد به القرآن . ونحو ذلك . وحكاية بعض العلماء مع الخليفة المأمون شهيرة . ولكن ان وقع مثل هذا عن أحد لا ينبغي للمفتي الإقدام على التفكير من غير تأمل وفحص وإن كان الإطلاق نفسه مستهجنا ومستقبحا . وأما آداب القضاء : فأعلم أن السلف حذروا العلماء عن تقلد القضاء والاجتراء لما روى عن أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من جعل قاضيا فكأنما ذبح نفسه بغير سكين » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « قاضيان ، قاض في النار ، وقاض في الجنة » . ومما شاع بين الناس أن أبا حنيفة رحمه اللّه اختار الحبس والضرب ولم يتقلد القضاء . قيل : إنه دعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى حتى ضرب في كل مرة ثلاثين سوطا . فلما كان في المرة الثالثة قال : حتى أستشير أصحابي . فاستشار أبا يوسف رحمه اللّه فقال أبو يوسف : لو تقلدت لنفعت الناس . فنظر إليه أبو حنيفة نظرة المغضب ، وقال : أرأيت لو أمرت أن أعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه وكأني بك قاضيا . وروى عنه أنه لما تقلد نوح الجامع من أصحابه القضاء بمرو كتب إليه : يا نوح ورد كتابك ووقفت على ما فيه . تقلدت أمانة عظيمة يعجز عنها الكبار من الناس وأنت كالغريق وأطلب لنفسك مخرجا . وعليك بالتقوى فإنه ملاك الأمر والخلاص في المعاد والنجاة من كل بلية وبه يدرك حسن العواقب قرن اللّه تعالى بخير العواقب أمورنا ووفقنا لمرضاته أنه سميع قريب . قال الفقهاء : إذا كان للسلطان أو القاضي من العلم ما يجوز به قضاؤه لم يسعه أن يمتنع وإلا أي أن لم يكن له ذلك فهو في سعة من الامتناع . وقال بعضهم : لا بأس يالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه أن يؤدي فرضه ويكره الدخول فيه لمن يخاف العجز عنه ولا يأمن على نفسه الحيف فيه . وكره بعضهم الدخول في القضاء وفسر الكراهية هنا بعدم الجواز . والصحيح من بين الأقوال