أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
40
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
الوظيفة الثانية : أن يجري المتعلم منه مجرى بنيه ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنما أنا لكم مثل الوالد لولده » . بل ينبغي أن يكون ( الولد ) الإلهي أحب إليه من الولد الصلبي . ذكر حافظ الدين البزازي ، عن المرغيناني ، عن عصام بن أبي يوسف رحمه اللّه : لم يكن لأحد عليّ من الحق كما كان له ، وكان مشفقا على أصحابه ، لو وقع الذباب على أحدهم ، يرى مشفة ذلك عليه . وبلغ من شفقته عليهم أن رجلا دخل عليه متغير اللون ، وقال : إن فلانا سقط من السطح ، وكان الإمام يصلي ، فسمع وصاح حتى سمع من في المسجد ، فلما فرغ ذهب إلى الرجل وقال : ان قدرت أن أحمل على نفسي هذه العلة فعلت ، وخرج من عنده باكيا . وكان يأتيه صباحا ومساء حتى برأ الرجل . وليعتقد المتعلم أن حق المعلم أكبر من حق الأب ، فإنه سبب حياته الباقية ، والأب سبب حياته الفانية . ولذلك قال الإسكندر لما قيل له : أمعلمك أكرم عليك أم أبوك ؟ فقال : بل معلمي . فكما أن الأخوة يجب بينهم التوادد والتحاب فكذلك شركاء الدرس ، بل ينبغي أن يكون فوقهم ، فإن العلماء كلهم مسافرون وسالكون إلى طريق اللّه تعالى ، والمعلم المرشد ، والهادي ، والشركاء الرفقاء ، ولا ينتظم أمر المسافرة إلا بموافقتهم ومحبتهم وإنما ينشأ البغض والتحاسد ، لجعلهم العلم وسيلة إلى المال والرياسة ، فيخرجون به عن قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ « 1 » ، ويدخلون تحت قوله تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ « 2 » . ولا يخفى أن المال والرياسة يوجبان التحاسد والتباغض ، كما وقع في زماننا هذا - بسبب حب الرياسة والمال - العداوة والبغضاء والتحاسد بين العلماء . وإلى اللّه المشتكى من زمان ملأ اللّه قلوب أهليه من الحسد ، وغلب عليهم العناد ، حتى جرى منهم مجرى الدم من الجسد . قوم غلب عليهم الجهل وطمهم ، وأعماهم حب الرياسة وأصمهم . فمن طائفة يطولون أكمام الافتخار ، ويجرون أذيال الاستكبار ، يتربعون في صدور الإيوان ، ويتنافسون باحتشاد الحواشي
--> ( 1 ) سورة الحجرات ، آية : 10 . ( 2 ) سورة الزخرف ، آية : 67 .