أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

4

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

فهاكم أخواني ، وعلى التقوى أخداني ، مدينة علم على الباب ، منيع الجناب ، رفيع الأسوار ، سحيق الأقطار ؛ وجنة أشجارها مورقة ، وأنهارها مونقة ، وأكلها دائم في الليل والنهار ، وظلها قائم في الهجير والأسحار ، ونعيمها مقيم ، ومزاجها من تسنيم . ودونك خزانة من فض ختامها ، أطلع على نبأ يقين ، وحق مبين ، وسر مخزون ، ودر مكنون ، وليس وراءها مزيد لرائد ، ولا دونها مرام لجاحد . ومنحتك منيحة : ان روّيت فيها ترويك درها . وآثرتك أحاديث تقول حين تسمعها : للّه درها . وقدمت إليك سفينة تعبر بها بحارا بعيدة الأغوار ، وتتخلص في قاموسها وتيارها من البوار . ورحّلتك مطية تصل بها إلى رياض ، وتشرب هنيئا لك مما فيها من الحياض ، وتجتنى أطايب أثمارها ، وتقف على عجائب أسمارها . وإياك ثم إياك ، أن تظن - وبعض الظن اثم - أنك حصلت من هذا العلم قدرا لا مزيد عليه ، حتى تنتصب لأن يرجع الكل إليك ، فتقعد متكئا على أريكة العجب ، وتستلقي على كتفي الفراغ ، وتمد على بساط الكسل رجليك ، وتعد نفسك من جهابذة الفضلاء ، وتحسب نفسك من دهماء العلماء ، وتظن أنك أحرزت الفضائل بشطريها ، وملكت الكمالات بقطريها ، وفزت من مارية بقرطيها ، وتقول : ها أنا برزت على لداتي ، وتفرغت عن تكميل ذاتي ، فيهب في دماغك أعاصير حب الرياسة ، وتهتاج لتربية أشياعك إلى تقلد السياسة . فهيهات هيهات ما خطر ببالك ، وهجس في خيالك . ان هذا طيش يوجب الحرمان ، بل همهمة الحسبان ووسوسة الشيطان . يتراءى منها مخايل الزور ، ويتدسس فيها حبائل الغرور . أين أنت من قول سيد الأنبياء ، وسند الأصفياء : « لا بورك لي في صبيحة لا أزداد فيها علما » ، مع أن ربه أدبه فأحسن تأديبه . وقوله صلوات اللّه عليه وسلامه : « من استوى يوماه فهو مغبون » .