أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
330
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
ويروى أن بعضا من أكابر الفقهاء ، رأوا التعويل على أصحاب هذا العلم في تصحيح الانساب ، كالشافعي رضي اللّه عنه ، مستشهدا بما نقل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه سر بقول القائف في أسامة بن زيد - وكانا نائمين في قطيفة وقد بدت أقدامهما - أن هذه الأقدام بعضها من بعض ، وأنما سر بذلك لما أن المشركين طعنوا في نسبه . وقال الشافعي ، رحمه اللّه : لو لم يكن حجة ، لم يسر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقول القائف . وقال أبو حنيفة ، رحمه اللّه : سروره لأجل الزام المشركين بما هو حجة عندهم لا أنه حجة قطعية في نفس الأمر . علم الاهتداء بالبراري والأقفار وهو علم يتعرف به أحوال الأمكنة ، من غير دلالة عليه بالإمارات المحسوسة ، بل يستدل بالقوة الشامة فقط . وقيل : قد يستعين صاحب هذا العلم بالأمور السماوية تارة والأرضية أخرى . أما الأول : فبمسامتات الكواكب الثابتة ومنازل القمر ، كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ « 1 » . وأما الثاني : فبمعرفة الخيال ، مثل شم التراب ، إذ لكل بقعة رائحة مخصوصة فيهتدون بها . ونفع هذا العلم عظيم ، وإلا لهلكت القوافل ، وضلت الجيوش ، وضاعت في البراري والأقفار . وقيل : قد يكون بعض ممن هو بليد في سائر العلوم ماهرا في هذا العلم ، كما يمكن عكسه . وقد يحصل هذا النوع من التمييز في الإبل والفرس . حكى بعض من المضيفين : أني كنت في قافلة في مفازة خوارزم ، وضللنا الطريق ، وعجز الكل عن الاهتداء ، فقدموا جملا هرما وألقوا حبله على غاربه ، فأخذ ينتقل من جانب إلى جانب ، ومن تل إلى تل ، وتذبذب يمينا وشمالا ،
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية : 97 .