أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
320
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
معرفة هذه الصنعة نصف السلوك ، لأن نصف السلوك لرفع محبة الدنيا عن القلوب ، وذلك يحصل بمعرفتها أي حصول . إذا عرفت هذا فاعلم : أن أصل هذه الصنعة ، أن الفلزات ، وهي الجواهر التي لا تحرقها النار بل تذيبها ، فإذا فارقتها النار عادت إلى الحالة الأولى ، وهي هذه المنطرقات السبع ، وهي : الذهب ، والفضة ، والنحاس ، والحديد ، والقصدير والرصاص ، والخارصيني ، واحدة في ذواتها ؛ والاختلاف الذي فيها ، ليس في ماهياتها ، وإنما هو في أعراضها ، وتلك الأعراض أما مفارق سهل الإنتقال ، ويشبه أن يكون حال الذهب والفضة ، ونسبة أحدهما إلى الآخر منها ، وأما لازم عسر الإنتقال ، وعلى كل تقدير داخلة تحت الإمكان ، إلا أنها من الممكن الذي يعسر وجوده بالفعل وكيف لا يعسر ، والصنعة لا تقوم مقام فعل الطبيعة ، مع أن في الطبيعة أيضا شرائط كثيرة بحيث يندر اتفاقها . ولهذا يندر الذهب والفضة في المعادن ، فضلا عن وجودها في الصنعة ، وذلك أن الزيبق الذي هو أصل الذهب والفضة ، ينبغي أن يكون في المعدن صافيا غاية الصفاء ، ويكمل نضجه ، ثم يختلط به الكبريت النقي ، بأن يكون أجزاؤهما على النسبة الأصلية . وينبغي أن تكون حرارة المعدن في غاية الإعتدال ، لم يعرض لها عارض من البرد واليبس ، ولا شيء من الملوحات والمرارات والحموضات ، فحينئذ ينعقد من ذلك على طول الزمان - بإذن الفاطر الحكيم والقادر العليم - الذهب الأبريز . وعلى هذا القياس سائر الجواهر فتبارك اللّه الفعال لما يريد . فأنظر أنت وتأمل بالإنصاف ، أن الإنسان ، وإن بلغ في العلم والحكمة غاية لا يمكن للبشر أن يبلغ فوقها ، هل يقدر أن يراعي تلك الشرائط ، على وفق ما يوجد في المعدن ، وهل هذا إلا ضرب في حديد بارد ، سيما مراعاة النار على القدر الذي ينبغي له ، قريب من درجة الامتناع . قال بعضهم وعمل الزجاج والفراريج بالديار المصرية ، مما يطع العقول في عمل الذهب . واعلم : أن المعتنين بشأن هذا الأمر طوائف : ( منهم ) من جمع بين الزئبق والكبريت الطاهر ، ودبره بالنار أشد من حرارة المعدن ، طلبا لقرب المدة ، ليحصل في مدة قريبة ، ما لا يحصل في المعدن في