أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
32
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
هذا الذي ذكرناه لمن ساعده الذهن ، والسن ، والوقت ، وسامحه الدهر عما يفضيه إلى الحرمان والفوت ، وإلا فعليه أن يقتصر على الأهم ، لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله ، وذلك الأهم هو قدر ما يحتاج إليه في الحال ، وهو ما يحتاج إليه في كمال النفس وفضيلتها ، وما يقرب به إلى اللّه عز وجل في الآخرة ، وما لا بد منه في إقامة دينه وإخلاص عمله للّه ومعاشرة عباده على الشرع الشريف والورع والتقوى . ومرجع الكل معرفة اللّه ، بالآيات الواضحة ، والشواهد الناطقة ، ومعرفة ما وجب عليه في نفسه وماله وليله ونهاره . ويدخل فيه أحكام الشريعة : من الجواز والفساد ، والحل والحرمة ، والكراهة والاستحباب ، ومعرفة سنن النبي عليه الصلاة والسلام ، في إقامة ما فرض اللّه تعالى على أعدل السبل وأقوم المناهج ، لا يعرف إلا ببيان من أدبه فأحسن تأديبه . ويدخل فيه أيضا : علم أخلاق الأنبياء والمرسلين : من اليقين . والإخلاص ، والزهد ، والتواضع ، والنصيحة ؛ وعلم آداب النفس : من العفة ، والرفق ، والتؤدة ، والحياء ، والسماع ، وحسن التدبر والنظر في الأمور ، والأخذ بالحزم في الدين ، ومداراة العدو ، واحتمال أذى الخلق ، وصلة الرحم المقطوعة ، وبر الجافي ، وإعطاء الحازم ، والتجاوز عن الظالم ، والإحسان إلى المسيىء ، وحسن التورع عن أذى الخلائق باليد واللسان والجنان . وستعرف تفاصيل هذه العلوم . وبالجملة : أصل الأصول ، ومنتهى السؤال معرفة اللّه تعالى ، التي هي غاية الغايات ، وسبب الفوز والنجاة ، ورئيس جميع السعادات . وهذا العلم حر لا يخدم غيره أصلا بوجه من الوجوه ، وما عداه خدم له والمطلوب الأهم مما عداه ما يتوسل به اليه . ولهذا قال اللّه تعالى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ « 1 » . ومن الظاهر المكشوف أن ليس المراد تحريك عضلات اللسان بكلمة اللّه ، فإن حركة الأطراف لا تجدي إذا لم تؤثر في القلب بأثر هو : الإعتقاد ، المسمى بالإيمان ، الذي أدناه التصديق ، وله مراتب بحسب القوة حتى ينتهي إلى رتبة لو وزن بإيمان العالمين لرجح ، وهو ايمان أبي بكر رضى اللّه عنه ، كما قال النبي صلى اللّه عليه
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية : 91 .