أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

250

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

الألغاز دلالة الألفاظ على المراد ، دلالة خفية في الغاية ، لكن لا بحيث تنبو عنها الأذهان السليمة ، بل يكون بحيث تستحسنها وتنشرح إليها بشرط أن يكون المراد من الذوات الموجودة في الخارج ، وأما إن كان المراد اسم شيء ، سواء كان من الإنسان أو غيره يسمى معمى . وسيجيء هذا بعد . وكلاهما لكونهما خلاف البيان - إذا المعتبر هناك وضوح الدلالة - اعتبرا من فروعه . وإنما اعتبر في البيان وضوح الدلالة ، كما ينبئك عنه اسم البيان ، لكون الغرض هناك التفهيم . وأما المعمى واللغز ، بالغرض فيهما الاخفاء فلا يتراءى ناراهما . واعلم : أن المعتبر في علم البيان هو الدلالة العقلية ؛ أعني التضمنية والالتزامية . ولما كانت تلك الدلالة خفية ، سيما إذا كان اللزوم بحسب العادات والطبائع ، وبحسب الألف المتحالفة هذه ، بحسب قوم قوم وطائفة طائفة ، فوجب التعبير عنها بلفظ أوضح ؛ مثلا إذا كان المرئي دقيقا في الغاية ، يحتاج الحاسة في أبصارها إلى شعاع قوي ، بخلاف المرئي إذا كان جليلا ، وكذا الحال في الرؤية القلبية ؛ أعني الفهم والإدراك ، فيحتاج إلى ألفاظ واضحة الدلالة ، ليفهم تلك اللوازم الخفية . هذا حال علم البيان الذي اعتبر فيها إظهار المراد . وأما إذا اعتبر ستر المراد ، كما في المعمى واللغز ، يكون الأمر بالعكس . ولما كان إرادة الإخفاء على وجه الندرة عند امتحان الأذهان ، لم يلتفت إليهما البلغاء ، ولم يعد وهما أيضا من الصنائع البديعية التي يبحث فيها عن الحسن العرضي ، لكن بشرط كونه على وجه لا تنبو عنها الأذهان المستقيمة ، ولا تمجها الأذواق السليمة . كما أشرنا إليه سابقا . ثم هذا المدلول الخفي ، إن كان ألفاظا وحروفا بلا قصد دلالتها على معان أخر ، أو لم يكن ألفاظا أصلا ، بل ذوات موجودة ، يسمى باللغز ، وإن كان ألفاظا وحروفا دالة على معان مقصودة ، يسمى معمى . وبهذا يعلم أن الكلام الواحد يمكن أن يكون معمى ولغزا باعتبارين ؛ لأن المدلول إذا كان ألفاظا وحروفا ، فإن قصد بها معان أخر يكون معمى ، وإن قصد ذوات الحرف ، على أنها من الأشياء والذوات يكون لغزا . وأكثر مبادئ هذين العلمين ، مأخوذ من تتبع كلام الملغزين وأرباب المعمى ، وبعضها أمور