أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

18

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

وجد فيها الكلاب الباطنية : أعني خبائث الأخلاق وأنجاس الصفات . حكي عن بعض الأمم السالفة أنهم كانوا يختبرون المتعلم أولا ، فإن وجدوا فيه خلقا رديا منعوه التعليم أشد المنع ، وكانوا يعتذرون عنه بأن العلم يصير آلة يستعين بها في الفساد ؛ وان وجدوه مهذب الأخلاق قيدوه في « دار التعليم » وعلموه ، ولا يطلقونه قبل الاستكمال خيفة من أن يقصر في العلم ، فيفسد به دينه ودين غيره . ويروى عن بعض الحكماء أنه قال : لا تعلموا أولاد السفلة ، فإن هم نالوا الشرف حرصوا على مذلة الأحرار ، والسبب فيه غلبة سوء الخلق في أولاد السفلة . وأما ما تراه عالما سئ الأخلاق فذلك عالم باللسان دون القلب ، وعالم باصطلاح هذا الزمان دون السلف ، إذ لو ظهر نور العلم على قلبه لحسنت أخلاقه ، فإن أقل درجات العالم ، أن يعرف أن المعاصي ورذائل الأخلاق سموم مهلكة ، وهل تطيب نفس عاقل يتناول السم ؟ ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « من ازداد علما ولم يزدد من اللّه هدى لم يزدد من اللّه إلا بعدا » ؛ وقال بعض المحققين : معنى قولهم ، تعلمنا العلم لغير اللّه ، فأبى العلم أن يكون إلا للّه ، أن العلم امتنع وأبى أن يحصل إلى أن يحصل النية للّه تعالى ، وما حصل قبلها كان حديثا يفترى ، وانما الصيد في جوف الفرا . الوظيفة الثانية : تحصيل الاخلاص في مقاساة هذا الملك الوعر ، وقطع الطمع عن قبول زيد وعمرو . ولكل امرئ ما نواه ، لا ما جمعه في صدره وحواه ، على وفق عجبه وهواه . أما قرع سمعك أن بعضا من العلماء ، لما سمع قول حبيب رب العالمين : « من أخلص للّه تعالى أربعين صباحا ، فجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » ، وفعل ذلك طمعا في الحكمة فلم يحظ منها بطائل ، رأى في المنام هاتفا يقول : انك ما أخلصت للّه بل للحكمة . والأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى . فينبغي أن ينوي في التعلم ، أن يعمل بعلمه للّه تعالى واليوم الآخر ، وأن يعلم الجاهل ، ويوقظ الغافل ، ويرشد الغوي ، ويؤيد من ليس بقوي ، فإن التعلم لغير اللّه حرام باطل ، وطلب العلم لا للعمل به ضائع ، وفي الحديث : « علم لا ينتفع به ككنز لا ينفق منه » .