محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي ( ابن طولون )
60
مفاكهة الخلان في حوادث الزمان
وفي هذا اليوم تعصّب جماعة على شيخنا المحب أبي الفضل بن الإمام ، شيخ مدرسة الخواجا شمس الدين بن النحاس ، ويعرف أيضا بابن الجابي الصفدي ؛ وشاع في الناس يومئذ أنّ القاضي فخر الدين عثمان الحموي ، ثم الدمشقي ، نائب قاضي القضاة المزلقي الشافعي ، نادى عليه بالمنع من الإفتاء والتدريس والوعظ بإذن القاضي المزلقي في ذلك ، فصاح أبو الفضل المشار إليه في مكانه ، داخل مقصورة الجامع الأموي ، وأسمع قاضي القضاة المزلقي وهو في مجلس صلاته على باب الخطابة ، أن منعه تعصّب عليه . فلما سمع المزلقي ذلك أنكر على فخر الدين نائبه ، وطلبه من بيته قرب الجرن الأسود ، فحضر ومعه أخو صهره ، كان ، قاضي القضاة محب الدين بن القصيف ، ودخلا بيت الخطابة ، وحصل منهما كلام لا طائل تحته ، وإنما موجبه أن أبا الفضل سعى في إنقاذ رجل من ديوانه من تهمة وقع فيها بكلام صبي صغير ، سبّ لفخر الدين المذكور ثم وشى بينهما واش بالنميمة ، أوغر صدور كل من أبي الفضل وقاضي القضاة محب الدين بن القصيف وأخيه وفخر الدين المذكور ومن يلوذ بهم . فلما كان بعد صلاة العصر طلب المزلقي كلّا من فخر الدين وأبي الفضل إلى بيت الخطابة ، فامتنع أبو الفضل من الحضور ، وكان غفلة منه ، وإذ لو حضر لا نتصر وظهر الكذب من الوشاة بينهم ، فخرج قاضي القضاة المزلقي من بيت الخطابة وذهب معه جماعة ، منهم فخر الدين المذكور ، فعرّش « 1 » بعض الناس على المزلقي وعلى فخر الدين في حال مرورهم على محراب الحنفية إلى أن خرجوا من باب الزيادة ، فندم أبو الفضل وأمر بكتب ورقة ليذهب بها إلى بيت المزلقي يذكر فيها أمورا ، وطال الكلام في ذلك ، فاجتمع شيخنا المحيوي النعيمي بقاضي القضاة محب الدين بن القصيف ، فذكر له أن فلانا وشاة الواشي ، إن ثم لهم وعليهم ، ولأبي الفضل وعليه . وفي يوم الخميس خامس عشرينه وصل الخبر إلى دمشق على يد مملوك الخواجا ابن الحزمي بأن قاضي القضاة الشهابي بن الفرفور أعيد إلى قضاء الشافعية ، وعزل قاضي القضاة الشمس المزلقي ، وأن بهاء الدين بن جمال الدين بن الباعوني واصل بذلك إلى دمشق . وفي يوم الجمعة سادس عشرينه حضر الشمس المزلقي إلى الجامع ، وصلّى على عادته ، ودخل بيت الخطابة بعد أن خطب عنه سراج الدين بن الصيرفي ، وذكر في خطبته فضل
--> ( 1 ) عرّش الرجل : بنى عريشا للرؤية أو للتظليل .