محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي ( ابن طولون )
100
مفاكهة الخلان في حوادث الزمان
وقرىء تقليده بالجامع وفيه المراء كثير . - وفي يوم الاثنين تاسعه نودي بدمشق من جهة النائب بالتجريدة ، فاغتمّ الناس لذلك لشدّة وقوف الحال لقلّة المطر ، فإنه لم يقع مطر من أواخر الأصمّ « 1 » إلى الآن ، والقمح قد تحرّك سعره . - وفي عشيّة يوم السبت رابع عشره ، وهو سادس آذار ، غيّمت السماء ، واستبشر الناس بالمطر ، ثم وقع بعد المغرب مطر جيد ، وشرعوا منه في جبي دراهم المشاة من الحارات . - وفيه دخل إلى دمشق أوائل الترك من العسكر المصري ، وتسلّطوا على أذى الناس من أخذ دوابّهم وغيره ؛ ومشى المدرّس إلى الشامية البرانية ، وغالب الأكابر ، خوفا على دوابّهم منهم . وفي يوم الأربعاء ثامن عشره أفرج عن السيد كمال الدين من اعتقاله بجامع القلعة ، وهرع الناس إليه يهنئونه . - وفي هذه الأيام قد دخل إلى دمشق خلق كثير من أهل حماة ، هربوا من نائبهم أينال الخسيف ؛ وأما أهل حلب فتفرّقوا في البلدان من قبل هذه السنة وإلى الآن ، خوفا على حريمهم من العساكر الواردة إليهم ، وفسد نساء كثير منهم . وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه أصبح رجل كان يبيع الصابون ، وقد شنق نفسه في بيته في حبل وهو ميّت ، لكون بعض الظلمة طرح صابونا ؛ فذهبت زوجته إلى أبيه وأخبرته بذلك ، فأتى إليه وأنزله وغطّاه ، وذهب إلى المغسّل ليغسّله ، فلما رأى عليه آثار الخنق امتنع ، وقال : لا أغسّله حتى تنظر فيه الحكّام ، فذهب أبوه ، وهو ممن يقال عنه إنه ذو مال ، إلى ملك الأمراء خوفا من دوادار السلطان لشهرته بالظلم ، فأخبره بذلك ، فقال له : أنت كنت السبب في قتله لكونه طلب منك مالا ليستعين به في وفاء ثمن الصابون المطرح فأبيت ؛ ثم أمر بشنقه فروجع فيه إلى أن أخذ منه مائة دينار ، ثم أذن له في دفنه ، فلما كان في صبحة المقابر أتى جماعة من جهة دوادار السلطان إليه وحملوه إلى بيت أستاذهم ، فمدّدوه إلى أن أخذوا منه خمسة وعشرين دينارا . وكان النائب قبل ذلك بنحو خمسة أيام قد طلب القاضي شمس الدين بن القاضي بدر الدين بن المزلق ، وطلب منه عدّة أربعين ماشيا ، فقال له : ما جرى بهذا عادة ، فإن أوقافنا غالبها على فقراء وقرب ؛ فغضب عليه النائب وهمّ أن يوقّع فيه بنفسه بعد أن قام نصف قيام لذلك ، ثم قال له : قم من وجهي ؛ ثم أمر به إلى القلعة ، ثم ندم وأمر بإخراجه ، فلم يخرج إلا أن يجيء مرسوم السلطان ، فلم تزل الأكابر به إلى أن خرج ، على أن يعمل النائب مصلحة ، ولا قوّة إلا باللّه .
--> ( 1 ) الأصم : أي كانون الثاني .