محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب الخوارزمي

12

مفاتيح العلوم

ومثال هذه المواضعات لفظة الرّجعة ، فإنها عند أصحاب اللغة المرة الواحدة من الرجوع لا يكادون يعرفون غيرها ، وهي عند الفقهاء الرجوع في الطلاق الذي ليس ببائن ، وعند المتكلمين ما يزعمه بعض الشيعة من رجوع الإمام بعد موته أو غيبته ، وعند الكتّاب حساب يرفعه المعطي في العسكر لطمع واحد ، وعند المنجّمين سير الكواكب من الخمسة المتحيرة على خلاف نضد البروج . ولفظة الفكّ فإنها عند أصحاب اللغة والفقهاء مصدر فكّ الأسير أو الرهن أو الرقبة ، وأحد الفكين وهما اللحيان ، وعند أصحاب العروض إخراج جنس من الشعر من جنس آخر تجمعهما دائرة ، وعند الكتّاب تصحيح اسم المرتزق في الجريدة بعد أن كان وضع عنها . ولفظة الوتد فإنها عند اللغويين والمفسرين أحد أوتاد البيت أو الجبل من قوله تعالى وَالْجِبالَ أَوْتاداً « 1 » ، وعند أصحاب العروض ثلاثة أحرف اثنان متحركان وثالث ساكن ، وعند المنجّمين أحد الأوتاد الأربعة « 2 » التي هي الطالع والغارب ووسط السماء ووتد الأرض . وأحوج الناس إلى معرفة هذه الاصطلاحات الأديب اللطيف ، الذي تحقّق أن علم اللغة آلة لدرك الفضيلة ، لا ينتفع به بذاته ما لم يجعل سببا إلى تحصيل هذه العلوم الجليلة ، ولا يستغني عن علمها طبقات الكتّاب ، لصدق حاجتهم إلى مطالعة فنون العلوم والآداب . وقد جمعت في هذا الكتاب أكثر ما يحتاج إليه من هذا النوع ، متحرّيا للإيجاز والاختصار ، ومتوقّيا للتطويل والإكثار ، وألغيت ذكر المشهور ، والمتعارف بين الجمهور ، وما هو غامض غريب لا يكاد يخلو إذا ذكر في الكتب من شرح طويل وتفسير كثير ، وعنيت بتحصيل الواسطة بين هذين الطرفين ، إذ كان هو الذي يحتاج إليه دون غيره ، ولم أشتغل بالتفريع المفرط والاشتقاق البارد ، ولا بإيراد

--> ( 1 ) سورة النبأ : آية 7 . ( 2 ) هي المنازل الأربعة الرئيسية بين الاثنتي عشرة منزلة من منطقة البروج .