الراغب الأصفهاني

91

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

قال المتنبّي : وكلّما فاض دمعي غاض مصطبري * كأن ما فاض من جفنيّ من جلدي وله : وإذا حصلت من السّلاح على البكا * فحشاك رعت به وخدّك تقرع قال محمد بن أبي زرعة : فبدت تشبّ بدمعها نار الهوى * من ذا رأى نارا تشبّ بماء نفع البكاء وحمده قدم رجل من الخوارج إلى عبد الملك ليقتله فدخل على عبد الملك ابن له صغير وهو يبكي لضرب معلمه ، فقال الخارجي : دعوه يبكي فهو أفتح لحزمه وأنفع لبصره فقال له عبد الملك : ما شغلك ما أنت فيه عن هذا ؟ فقال ينبغي للمسلم أن يشغله عن الخير شيء فعفا عنه . قيل لصفوان كثرة الكباء تورث العمى فقال : ذاك لهما سهادة . قال ابن نباتة : تستعذب العين دمعي في مودّتها * كأنّما تمتريه العين من فيها « 1 » كثرة البكاء واحمرار الدّمع بالدم سمع أبو السائف قول جرير : أن الذين غدوا بلبّك غادروا * وشلا بعينك لا يزال معينا « 2 » غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي * ما ذا لقيت من الهوى ولقينا فقال : أتدرون ما التبغيض ؟ قالوا : لا ، فأشار بإصبعه إلى جفنه كأنه يأخذ الدمع لينضحه . الاستدلال بالدمع على فرط الهوى قال محمد بن وهب : يدلّ على أنني عاشق * من الدمع مستشهد ناطق قال ديك الجن : زعمتم بأني قد سلوت وصالكم * فلم ذرفت عيني ولم شاب مفرقي ؟ وقال : سمة الصّبابة زفرة أو عبرة * متكفّل بهما حشا وشؤون « 3 »

--> ( 1 ) تمتريه : تستدرّه . ( 2 ) غامروا : تركوا - الوشل : البقية من الدلع - المعين : الذي تراه العين لأنه ظاهر . ( 3 ) الصبابة : الولع الشديد - العبرة : الدمعة .